الهادي التليلي
القيم، والمعبر عنها عند الإغريق بالايتيقا وعند الشعوب الشرقية بالأخلاق، تشكل عمودا فقريا لكل ممارسة ترفيهية عند الشعوب قديمها وحديثها؛ فالشعوب وهي تعبر عن ذاتها من خلال تعبيرات جماعية هي تتحرك في دائرة أخلاقية محددة، سواء بالمجتمعي يجوز أو لا يجوز.
أو بالديني حلال أو حرام أو ذوقي جميل غير جميل لان المقاييس الجمالية تدخل في المحددات الأخلاقية لدى كثير من الشعوب بل الجميل يتحدد بدوره ضمن دائرة العرف الجمعي فالجميل هو المقبول والقبيح هو المرفوض مجتمعيا.
فلو نظرنا إلى الشعوب ذات الصبغة الزراعية مثلا وهي تحتفي بمواسم الصابة والحصاد تنجز فعاليات في مجملها تعبير ذاتي منهم وشكر لمن يعبدونه أو يعتقدون في بركته وكونه سببا في حصول هذا الحصاد الوفير تقام الحفلات وفقا لعادات وتقاليد محددة وفي سياق قيمي يستجيب لاشتراطات المجتمع، ويحرص كل الحرص على إرضاء الآلهة الإغريقيّة أو الرومانية أو الآسيوية أو ديانات الإله الواحد مثلنا نحن المسلمين أو النصارى أو اليهود وغيرهم.
القيم التي تختلف من شعب إلى آخر هي تحدد الثقافة وتنشئ مفهومها للثقافة؛ فالثقافة حسب كل من كلود ليفي شتراوس وديركهايم هي التعبيرات الجماعية المنشئة لمنظومة قيم متفق عليها بين أفراد المجموعة البشرية الواحدة.
فالترفيه أو الوصفة الترفيهية الجاهزة لكل الشعوب لا توجد فما يرفه سكان الأرياف أو المناطق الجبلية القاسية ليس هو نفسه ما يرفه سكان الحاضرة والعواصم الفارهة، كما أن ما يرفه جهة ما ذات عادات وتقاليد وتصور ديني معين عن غيرها لا يرفه عن الآخرين. فسوسيولوجيا الترفيه ينشأ تلبية لحاجات وتحقيقا لطموحات مجموعة بشرية معينة.
وفي الحقيقة نرى دائما أنه في مستهل كل تأسيس لمنظومة ترفيهية دائما لابد من استشارة مركزية حول الترفيه تنطلق مركزيا وتتفرع قطاعيا في شتى الاختصاصات ومختلف الأماكن الفرعية وتكون من خلال ملتقيات تجمع مختلف الفاعلين تنتج وجبات ترفيهية تشبه البيئة التي تنشأ فيها.
وهكذا يكون الترفيه إنتاجا للمعنى وتشريكا لكل الفاعلين وبذلك ينتج تصورا للفعل الترفيهي من أبناء نفس المكان المبدعين في شتى الاختصاص وهو ما يفرز كرتوغرفيا شاملة من جهة ودقيقة من جهة أخرى للوجبة الترفيهية لكل ركن أو زاوية من أماكن المدينة أو القرية في سياق يراعي الاحتياجات والضوابط القيمية والجمالية لكل مجموعة بشرية.
في الحقيقة كل فعل ترفيهي هو فعل محلي بالأساس يكتسب كونيته من هذه المحلية التي تثري المشهد الكوني بخصوصياته.
فالكرنفال الذي تم تدشينه في موسم الرياض هذا العام بقيادة معالي المستشار تركي آل الشيخ هو ترجمة لتوق أهل الرياض ومملكة الجمال إلى عرس احتفالي شوارعي فريد وينشط المكان والمساحة البصرية، ويعلن عن افتتاح فعالية الموسم رسميا.
والمدن الترفيهية مثل بوليفارد سيتي وغيرها تترجم الرغبة في التعرف على ثقافات الشعوب في سياق حوار الثقافات و تنظيم فعاليات عملاقة خلال الموسم يعبر عن المستوى الحضاري ودرجة الرفاه الذي يعيشه المواطن السعودي في ظل قيادته الحكيمة وحاجاته الجمالية في الاستمتاع بأحدث العروض الكونية لأنه بفضل الفعل الترفيهي أصبحت قبلة العالم في الفرجة هي المملكة العربية السعودية التي صنعت منوالا ترفيهيا يمكن نسخه، ولكن يحتاج إلى عوامل ومعطيات عديدة لتطبيقه كمستوى الرخاء والقدرة على التنفيذ وجرأة القرار والقيادة الحكيمة.