مرفت بخاري
دمعة طفل، صبر امرأة، وصمود أمة.. تتوّج اليوم باعتراف طال انتظاره حين يكتب العالم أخيرًا اسم فلسطين، أشعر كأن السماء تنحني قليلًا لتربّت على كتف الأرض الجريحة.
أنا سيدة، عرفت كيف يسرق القصف طفولة الأبناء، وكيف يُرمل الحرب النساء، وكيف تجلس الأرامل على عتبات البيوت يعددن الغياب أكثر مما يعددن الأرغفة.
لكن اليوم، وأنا أسمع أن بريطانيا وأستراليا وكندا قالت: فلسطين دولة، شعرت أن الدمعة التي ظلت عالقة في عيوننا منذ عقود وجدت أخيرًا مكانًا لتستريح فيه.
أتأمل الأطفال أولًا، أولئك الذين تعلموا الأبجدية على جدران مهدمة، ولعبوا بكرة من قماش ملفوف لأن السماء كانت أسرع من أي حلم، وتربوا على رمي الحجارة، ماذا يعني لهم هذا الاعتراف؟ إنه وعد بأن حقيبتهم المدرسية لن تكون بعد اليوم عبئًا يثقل الخطى، بل جوازًا نحو مستقبل آمن.
هو اعتراف بأن ضحكاتهم لم تعد أصواتًا تتبخر في الفراغ، بل شهادة على وجود يستحق الحياة. ثم النساء، اللواتي حملن أثقال القهر على أكتافهن، ووقفن بين القبور والأفران يخبزن بالصبر خبزًا لا يكفي، لكنهن وزعنه بعدل على صغارهن. بالنسبة لهن، هذا الاعتراف ليس نصًا سياسيًا، بل مرآة تقول: أنتِ لستِ وحدكِ، العالم أخيرًا يرى يديكِ المتشققتين من غسل الدماء وحمل الغياب. هو همسة تخبرهن أن أصواتهن حين تنادي بالسلام باتت تملك مقعدًا على طاولة العالم.
أما الأرامل، تلك التي ابتلع الموت زوجها وترك لها أفواهًا جائعة، فهي لا تقرأ الخبر كفقرة عابرة، بل تتنفسه كما يتنفس الغريق الهواء. تدرك أن الدموع التي سالت من عينيها لم تعد تائهة، بل تحولت إلى وثيقة في سجل العدالة الإنسانية. تشعر أن رغيف الخبز الذي تسعى خلفه كل صباح قد يُحاط بحماية قرار دولي، لا برصاص متربص.
وفي خضم هذا كله، لا يسعني إلا أن أرفع بكل فخر آيات الشكر والعرفان لجهود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي جعل من الصوت العربي صوتًا مسموعًا في المحافل، ومن الموقف الإسلامي ضميرًا حيًا يحرك العدالة. كان حضوره في هذا البعد الإنساني سندًا للنساء والأطفال والأرامل، إذ فتح لهم باب الأمل من قلب العروبة، وذكّر العالم أن القضية ليست سياسية فحسب، بل جرح إنساني يحتاج إلى ضمير حيّ.
إن فخرنا به لا يُقاس بالكلمات، فهو يقف كأخٍ كبيرٍ في زمن يتكالب فيه الصمت، وكظلّ نخلة عربية تمد جذورها في الأرض وتظلل بجذعها الأيتام والمساكين. وليس هذا بجديد على مملكة الإنسانية، فقد تربّينا منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود على أن فلسطين قضيتنا الأولى، وريال فلسطين شاهد على مكانتها في قلوبنا.
إن الاعتراف بفلسطين ليس سطرًا في بيانات الأمم ولا قرارًا يُخزّن في أرشيف السياسة. إنه قصيدة إنسانية كتبها أطفال ماتوا قبل أن ينطقوا أحلامهم، ونساء حملن عبء الوطن في صدورهن، وأرامل عرفن أن الغياب لا يُعوَّض. إنه إعلان بأن هذا الوجع ليس هامشًا، بل متنٌ في رواية العالم.
واليوم، ونحن نرى العالم يعترف، ندرك أن الجهود العربية الصادقة، بقيادة ولي العهد، قد أعادت للقضية روحها، وللإنسان الفلسطيني حقه في أن يكون مرئيًا ومسموعًا ومحميًا.
اليوم، فلسطين لا تختصر في نزاع، ولا في جدار، ولا في حصار.
اليوم، فلسطين تُروى كأم تمد يدها للعالم، كطفلة تضحك وسط الركام، كأرض تكتب اسمها على الحجر والشجر. العالم اعترف، نعم، لكننا نحن الذين سنجعل من هذا الاعتراف حياةً تمشي على الأرض، وحلمًا لا يعود مؤجلًا. شكرًا لكل الدول العربية والإسلامية والغربية التي شاركت في إثبات الحق وردّه إلى أهله. شكرًا بحجم الإنسانية والعدالة التي ستعيد المسار إلى حياة عادلة، يسودها الاطمئنان ويتلحفها الأمن.
شكرًا لخالقنا الذي كتب لنا أن نعيش هذه الأيام المباركة التي تعيد للفلسطينيين هويتهم وتحميها. وشكرًا لمملكة الإنسانية على هذا الإنجاز العظيم.