د. سطام بن عبدالله آل سعد
في السنوات الأخيرة، تحوَّلت الرياضة السعودية، وكرة القدم خصوصًا، إلى مشروع وطني ضخم مرتبط مباشرة برؤية 2030؛ استثمارات بمليارات الريالات، انتقالات عالمية، استضافة بطولات قارية ودولية، ملاعب جديدة، واهتمام غير مسبوق من الدولة والجماهير والإعلام. لكن وسط هذا الصعود الكبير، تبقى هناك حلقة ضعيفة تهدِّد جودة المشروع من الداخل، وهي الكادر الإداري في الأندية، وفي مقدمته رئيس النادي.
تعيين رئيس نادي الوحدة الأخير، حاتم خيمي، ليس قضية شخصية بقدر ما هو نموذج يكشف مشكلة أعمق تتمثَّل في صعوبة إيجاد كوادر وطنية قيادية متخصصة في إدارة الأندية الرياضية وقادرة على مواكبة مشروع التحوّل الرياضي السعودي. فالمشكلة ليست في اسمٍ بعينه؛ المشكلة في منظومة إعداد القيادات الرياضية من الأساس.
أزمة إدارية وليست فنية
حين نتأمل المشهد الكروي اليوم، نجد أن أغلب النقاش يدور حول المدرب، المحترف الأجنبي، الحكم، تقنية الفيديو، جدول الدوري، بينما يغيب السؤال الأهم: من يدير النادي؟ ومن يملك الكفاءة لقيادة مؤسسة تقترب ميزانياتها من ميزانيات بعض الشركات الكبرى؟
رئيس النادي اليوم لا يُفترض أن يكون مجرد عاشق للشعار، أو نجمًا إعلاميًا يتصدر المشهد، بل هو - عمليًا- رئيس لمؤسسة رياضية ضخمة، مسؤول عن: إدارة ميزانية بمئات الملايين. التعامل مع تعاقدات معقَّدة، ووكلاء لاعبين، وعقود رعاية وبث. فهم القوانين واللوائح المحلية والدولية. قيادة منظومة كرة قدم، وألعاب مختلفة، وأكاديميات وفئات سنية. إدارة ضغط جماهيري وإعلامي هائل، واتخاذ قرارات غير شعبية أحيانًا.
ومع ذلك، ما زال تعيين رؤساء الأندية -في كثير من الحالات- أقرب إلى الاجتهاد الشخصي منه إلى نتاج نظام واضح لإعداد القادة. لذلك نرى أندية تعاني شهورًا في البحث عن رئيس، وأخرى تغيّر الإدارات بوتيرة سريعة، وثالثة تسلّم مصيرها لشخص حسن النيَّة، لكنه غير مهيَّأ لإدارة مشروع بهذا الحجم والتعقيد.
رؤية 2030 بملفات القرن العشرين
المملكة مقبلة على استضافة بطولات وأحداث ضخمة، قارية وعالمية، وعلى توسّع كبير في الاستثمار الرياضي، وفتح أبواب جديدة أمام الرياضة النسائية، والألعاب المختلفة، والصناعات المساندة، في مشهد يتطلب قدرات إدارية على مستوى التحول الاستثنائي الذي تشهده الرياضة السعودية. هذه التحولات تتطلب جيلًا جديدًا من القيادات الرياضية يفكر بعقلية تستند إلى الإستراتيجية لا ردّات الفعل، وإلى الاستثمار لا المجاملة، وإلى الحوكمة لا الفوضى، وإلى إدارة المخاطر لا إدارة الأزمات بعد وقوعها.
لكن ما يحدث في كثير من أنديتنا مفارقة واضحة؛ فمشروع رياضي بحجم 2030 يُدار أحيانًا بأدوات وعقليات الثمانينات والتسعينات. وتواضع البرامج الممنهجة لإعداد رؤساء الأندية، وعدم وضوح المسارات المهنية للإداري الرياضي، وضعف الاشتراطات الحقيقية في الخبرة والدراسة والتأهيل، إضافة إلى غياب الربط الجاد بين حجم الميزانية وحجم الكفاءة المطلوبة لإدارتها؛ كلها عوامل تكشف الخلل العميق في البنية الإدارية للرياضة.
لماذا نعجز عن صناعة الرئيس؟
يمكن تلخيص جذور الأزمة في عدة نقاط: 1- غياب المسار الوظيفي للإداري الرياضي لا توجد اليوم منظومة واضحة تقول: من أين يبدأ الشاب السعودي الذي يريد أن يصبح إداريًا؟ هل يبدأ من أكاديمية؟ من نادٍ صغير؟ من اتحاد لعبة؟ ما هي الخطوات؟ ما هي الشهادات؟ ما هي الدورات؟ النتيجة: نعتمد على المعارف، لا على المسارات. 2- التركيز على اللاعب، وإهمال الإداري لدينا برامج لاكتشاف المواهب، ومعسكرات، وأكاديميات للاعبين، في حين لا توجد أكاديمية حقيقية لصناعة الإداري الرياضي: مدير الكرة، والمدير التنفيذي، ورئيس النادي، ومدير الاستثمار، والمدير الإعلامي للنادي. 3- التعيين بمبدأ من يرضي الجميع، لا من يخدم النادي، أحيانًا يتم اختيار الرئيس باعتباره واجهة مرضية للجمهور، أو شخصية معروفة إعلاميًا، أو اسمًا له حضور اجتماعي، بينما النادي يحتاج شخصًا يجيد لغة الأرقام، وفهم العقود، والتعامل مع لوائح «الفيفا» والاتحاد الآسيوي، وإدارة فريق عمل محترف. 4- ضعف الربط بين الرياضة والجامعات لدينا في الجامعات السعودية تخصصات الإدارة، والاقتصاد، والقانون، والإعلام، وعلوم البيانات، لكننا لم نحول هذه التخصصات إلى برامج احترافية متخصصة في إدارة الأندية (Sports Management). وهنا ضاعت فرصة تكوين جيل قيادي جديد يحمل العلم والخبرة معًا.
ما الحل؟
النقد وحده لا يكفي؛ المطلوب مشروع وطني لصناعة قيادات الأندية، يتضمن على الأقل هذه المسارات: 1- برنامج وطني لإعداد قيادات الأندية يمتد لعام أو عامين، يربط بين وزارة الرياضة واللجان الأولمبية والجامعات والأندية، ويتضمن تأهيلًا متكاملًا في الإدارة المالية والرياضية، والحوكمة والشفافية، والقانون الرياضي والعقود، وإدارة الإعلام والأزمات، إضافة إلى إدارة الجماهير وبناء العلامة التجارية للنادي. 2- ترخيص لرئيس النادي والمدير التنفيذي، على غرار الترخيص الممنوح للمدربين، بحيث لا يُمنح المنصب إلا لمن يجتاز متطلبات مهنية واضحة تشمل الخبرة، والدراسة، والدورات التخصصية. 3- مسار تدريجي للقيادات؛ فلا يُعقَل أن يقفز شخص ذو إمكانات متواضعة وخبرة محدودة إلى رئاسة نادٍ جماهيري. المسار المهني يجب أن يبدأ بإدارة فرق الفئات السنية، ثم إدارة نشاط لعبة واحدة، ثم العمل في الإدارة التنفيذية داخل النادي، وصولًا إلى رئاسة النادي أو إدارة الشركة الاستثمارية التابعة له. 4- قياس أداء الرئيس يجب أن يستند إلى مؤشرات واضحة تشمل الاستقرار المالي، ونمو الإيرادات، وجودة الحوكمة والشفافية، وتطوير الأكاديمية والقاعدة السنية، والاستقرار الفني وعدم الإفراط في تغيير المدربين.
لا بطولة مستدامة بلا قيادة مستدامة
قد نصنع فريقًا قويًا بشراء أفضل اللاعبين والمدربين، لكننا لن نصنع ناديًا مستدامًا دون قيادة إدارية مستدامة. فالرئيس الذي كان دوره يقتصر على توقيع العقود أو الظهور على المنصَّة، يجب أن يتحول إلى العقل الذي يربط بين رؤية المملكة، وطموح الجماهير، وواقع الملعب.
إذا أردنا لدورينا أن ينافس عالميًا، ولأنديتنا أن تصمد أمام التحديات المالية والفنية والإعلامية القادمة، فعلينا أن ننتقل من مرحلة البحث عن اسم يتولى الرئاسة، إلى مرحلة صناعة جيل من الرؤساء والإداريين الذين يليقون بمستوى مشروعنا الرياضي الوطني.