صالح الشادي
لطالما كانت بؤر الصراع المسلح في الشرق الأوسط وغيره مختبرات تجارب مفتوحة للقوى العظمى، لكن وراء هذه الحقيقة الجيوسياسية تكمن مأساة إنسانية تمس كرامة الإنسان وتنتهك المبادئ الأخلاقية الأساسية. فتحويل ساحات الحرب إلى معامل لتجريب الأسلحة يعني ببساطة أن البشر في هذه المناطق قد تحولوا إلى فئران تجارب، وأن أوطانهم أصبحت ميداناً لاختبار تقنيات القتل.
عندما يعلن وزير دفاع إحدى الدول العظمى عن نجاح تجريب 320 سلاحاً متطوراً في سوريا، فإن هذا الإعلان يحمل بين طياته اعترافاً صارخاً بأن دماء السوريين وأجسادهم ومستقبلهم قد استخدمت كوسيلة لتحقيق تقدم تقني عسكري. إنه تجسيد لحقيقة مروعة: أن بعض الأرواح أصبحت قابلة للتضحية في سبيل تطوير آلات الموت.
شكل غزو العراق عام 2003 أحد أكبر المختبرات الميدانية للأسلحة المتطورة. اختبرت القوات الأمريكية هناك أنواعاً متعددة من الأسلحة التي لم تكن لتجرؤ على تجريبها في ساحات أخرى. تحولت المدن العراقية إلى ساحات لاختبار القنابل الذكية، والطائرات بدون طيار، وأنظمة الحرب الإلكترونية. لكن الثمن دفعه المدنيون العراقيون، الذين تحولت حياتهم إلى مجرد إحصاءات في تقارير عسكرية. شاهد العالم كيف تم اختبار الأسلحة العنقودية والأسلحة الكيميائية المحظورة على أحياء سكنية كاملة. ورأينا كيف تحولت المنازل والمستشفيات والمدارس إلى أهداف لاختبار دقة الصواريخ.
أما حرب غزة الأخيرة، فقد مثلت نقلة نوعية في تجارب الأسلحة. شهدنا اختباراً ممنهجاً لأنظمة القصف المكثف، والأسلحة ذات التأثير المدمّر الواسع، وأنظمة الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف. تحول قطاع غزة الضيق إلى مختبر ميداني مفتوح لأنظمة القتل والتدمير. الضحايا في غزة لم يكونوا مجرد أرقام، بل كانوا بشراً يحملون أحلاماً وطموحات مثلنا تماماً. أطفال كانوا يلعبون في شوارع مخيمات اللاجئين، طلاب كانوا يحلمون بمستقبل أفضل، عائلات كانت تسعى لحياة كريمة. جميعهم تحولوا إلى فئران تجارب في مختبر الحرب الدولي.
إن الأبعاد الأخلاقية لهذه الممارسة تثير أسئلة وجودية عميقة. فكيف يمكن للبشرية أن تسمح بتحويل إخوانها من بني آدم إلى مجرد أرقام في معادلة عسكرية؟ كيف نقبل أن تتحول المدن والمدارس والمستشفيات إلى ساحات لقياس فاعلية القنابل والرصاص؟ إنها مفارقة أخلاقية صادمة أن نعيش في عصر يتحدث فيه العالم عن حقوق الإنسان بينما تمارس فيه هذه الانتهاكات بشكل منهجي.
الضحايا في هذه المعادلة ليسوا مجرد أرقام في تقارير إخبارية، بل هم بشر مثلنا تماماً. آباء يفقدون أبناءهم، وأطفال يتحولون إلى أيتام، وطلاب تتقطع بهم السبل نحو المستقبل، وأطباء يمارسون مهنتهم في أقبية مظلمة. كل هؤلاء يدفعون ثمن تقدم تقني عسكري لن يروه ولن يستفيدوا منه. الأكثر إيلاماً أن هذه المختبرات البشرية غالباً ما تكون من صنع أيدي القوى نفسها التي تجري التجارب. فكثيراً ما تخلق الصراعات ثم تستغلها لتحقيق مكاسب إستراتيجية. إنها دائرة مفرغة من العنف: صناعة الأزمات، ثم استغلالها كفرصة لتطوير الأسلحة، مما يخلق مزيداً من العنف. إن اختبار الأسلحة على «الأعداء» الذين كانوا في كثير من الأحيان من صنع القوى نفسها يطرح إشكالية أخلاقية وقانونية بالغة التعقيد. فهو يشبه أن يقوم طبيب بتسميم مريض ثم يستخدمه لتجريب علاج جديد.
إن التقدم التكنولوجي الذي يتحقق على حساب المعاناة الإنسانية ليس تقدماً حقيقياً، بل هو شاهد إثبات على تدهور قيمنا الإنسانية. فالأسلحة الأكثر تطوراً التي تختبر على أجساد الفقراء والضعفاء لن تجعل العالم أكثر أمناً، بل ستعمق من هوة اللاستقرار وتزيد من دوامة العنف.
القضية هنا ليست مجرد انتهاك للقوانين الدولية أو خرق للاتفاقيات، بل هي مساس بالجوهر الإنساني الذي يجمعنا كبشر.. واستمرار استخدام البشر كفئران تجارب في مختبرات الحرب يعني أننا فقدنا بوصلتنا الأخلاقية، وأننا قبلنا كبشر على هذا الكوكب بصمتنا بأن بعض الأرواح أقل قيمة من غيرها. وهذا الامر أكبر تهديد يواجه إنسانيتنا المشتركة. فالإنسانية الحقيقية لا تبنى على أنقاض إنسانية الآخرين، والتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد الأسلحة المتطورة، بل بقدرتنا على حماية كرامة كل إنسان بغض النظر عن جنسيته أو دينه أو عرقه.