فائز بن سلمان الحمدي
ليست كل الحضارات التي تتقدم تنير، ولا كل الدول التي تُنجز تُبدع، فثمة فرق دقيق بين حركة تُحرّك الأشياء، وبين نهضة تُوقظ الأرواح.
والفرق بينهما هو القائد الذي يرى ما لا يُرى، ويؤمن أن أعظم إنجاز في الوجود هو أن تُعيد للإنسان معنى الحياة. لقد مرّت بهذه الأرض سنوات كان فيها الوقت خصمًا عنيدًا، والدوائر الإدارية متاهة من الورق والختم والتوقيع. كان المواطن يقف في الطوابير الطويلة، يحمل بين يديه أوراقًا تُرهقه أكثر مما تُنصفه، يطرق الأبواب مرارًا، وينتظر في الصالات الباردة طويلًا، فيخرج وقد خسر من صبره ما خسر. كانت الدولة آنذاك جسدًا عملاقًا يتحرّك ببطء، زمن كانت الأوراق تُسيّر المصائر لا العقول. ثم شاء الله أن يبعث في هذه البلاد رجلًا من طراز نادر، قائدًا لا يكتفي بأن يُدير السلطة، بل يُعيد تعريفها. رجل يرى أن الإدارة ليست سلطة فوق الناس، بل عهد معهم، وأن الوقت ليس موردًا يُستهلك، بل قيمة تُصان، وأن التقنية ليست ترفًا عصريًا، بل وجه من وجوه الكرامة. تحت راية رؤية وُلدت من عبقرية سموّ وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، أيده الله، تحوّل مفهوم الدولة من جهاز إداري ثقيل إلى كيان ذكي ينبض بالحياة. لم يعد المواطن يلهث خلف معاملته؛ صارت معاملته تسبقه. لم يعد الباب يُفتح بالرجاء بل بالحق، ولم تعد الخدمة تُقدَّم بالجميل بل بالواجب. إن ما حدث لم يكن تحديثًا في الأنظمة فحسب، بل ثورة فكرية في فلسفة الحكم والإدارة. انتقلنا من مرحلة الروتين إلى روح الرؤية، ومن مظاهر البيروقراطية إلى السرعة الممهورة بالكرامة.
اليوم يُنجز المواطن معاملته في دقائق، من هاتف بين يديه، من أي مكان في الأرض. يستقبل وثائقه في منزله كما تُستقبل البشارات، يُخاطب الدولة بلمسة فتجيبه بثوان دون تذمّر أو انتظار. وكل ذلك ليس مجرد كفاءة تقنية، بل صورة من صور العدالة في أبهى معانيها: العدالة في الفرص، وفي الوقت.
لقد جعل هذا التحوّل من الدولة مرآة لروح قائدها: واضحة، حازمة، رحيمة، نقية الهدف. فوليّ العهد لم يُصلح الأجهزة فحسب، بل أصلح الرؤية التي تعمل بها الأجهزة. لم يُحدّث الأنظمة فقط، بل أعطاها من فكره نبضًا، ومن طموحه جناحًا، ومن عزيمته بريقًا. فهو لا يكتب الخطط على الورق، بل يزرعها في سلوك الناس وفي ضمير الوطن. يُغيّر أسلوب التعامل مع المواطن، فيتحول «راجع بعد أسبوع» إلى «تم خلال دقيقة»، ومن عناء إلى يُسر جميل يتسلل إلى حياة الناس بلا استئذان. لقد تأنسنت الدولة، وصارت التقنية أداة للرحمة، ولأن القائد لا يصنع النهضة وحده، استجاب الشعب لنداء الرؤية، فكان شريكًا في التحوّل وصانعًا للإنجاز. تبدلت لغة الناس، وتحرّر وعيهم من ثقافة الانتظار إلى ثقافة المشاركة، ومن الشكوى إلى الفعل. أيها القارئ، تأمل المشهد من علوّ: أمة كانت تغرق في الأوراق والانتظار، فإذا بها اليوم تنسج مستقبلها بخيوط الضوء، وتُدير وقتها بذكاء يثير الإعجاب. إنه تحوّل في معنى الزمن نفسه؛ فالوقت الذي كان يُستنزف في الممرات صار يُستثمر في الحياة. لقد وفر للإنسان وقته وراحته، فالإصلاح الإداري الحقيقي ليس في تسريع الإجراءات، بل في تحرير الإنسان من عبء الانتظار. إن وليّ العهد – أيده الله – لم يُقدّم مشروعًا حكوميًا فحسب، بل مشروع إنسانياً؛ رؤية جعلت التقنية رحمة في نظامها، والخدمة خلقًا في جوهرها، والإنجاز قيمة في ضميرها. ومن وراء كل خطوة من خطوات التحوّل، فكرة تُنير، ووعي يُطهّر، وإيمان يهمس بأن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. وما أعظم أن ترى وطنًا يُغيّر ما بنفسه بيدٍ من الإخلاص والعقل، لا بالعنف ولا بالاضطراب! أن ترى التاريخ يعيد النظر فيك، ويكتب اسمك في فجر الأمم لا في غروبها. وهكذا أصبحت المملكة نموذجًا فريدًا لدولة تُمسك بزمام حاضرها بعين المستقبل، وتُقيم على التقنية صرحًا من الأخلاق، وتربط بين الحداثة والإيمان، وبين الكفاءة والإخلاص. وفي ظل هذه الرؤية، لم تعد التقنية مجرد وسيلة لإنجاز المعاملات، بل رمز لوحدة الإنسان والدولة في منظومة واحدة من الضوء والمسؤولية. صار التطبيق مرآة للأخلاق، والسرعة عنوانًا لاحترام الوقت، وهكذا، حين يُنير القائد وجه الزمن، تُصبح الحياة ذاتها خطابًا من ضوء ونظام، وتقول كل خدمة تُقدَّم: لقد تغيّرنا وارتقينا وسرنا على نهج العدل والجمال.