عبدالله صالح المحمود
لم يعد العالم كما كان، خرائط النفوذ تتغيّر بسرعة، والتحالفات التقليدية لم تعد تصمد أمام موجات المصالح المتبدّلة، والقوة لم تعد تُقاس بترسانة السلاح ولا بعدد الجنود، بل بمن يمتلك الاقتصاد المرن، والسياسة المتزنة، والمجتمع القادر على التكيّف والإلهام.
في هذا الزمن المضطرب، تتقدّم السعودية بخطى واثقة، لا لتبحث عن مكانٍ في النظام العالمي الجديد، بل لتصوغ جزءًا من معالمه.
من كان يرى في السعودية دولة نفطية تقليدية، يكتشف اليوم أنها أصبحت قوة استثمارية عالمية. فمن خلال رؤية 2030 تجاوزت المملكة فكرة تنويع الدخل إلى تنويع التأثير. مشاريع كبرى مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية لم تعد طموحات تنموية داخلية، بل رسائل اقتصادية للعالم مفادها أن السعودية لا تبيع النفط فحسب، بل تبتكر المستقبل وتستثمر فيه. التحوّل الحقيقي لا يظهر في البنى التحتية فقط، بل في طريقة التفكير؛ فصندوق الاستثمارات العامة لم يعد مجرد أداة تمويل، بل ذراع نفوذ اقتصادي وسيادي يوجّه الاستثمارات في الشرق والغرب، ويبني جسور المصالح طويلة المدى مع كبرى الاقتصادات.
الاقتصاد السعودي اليوم لا يكتفي بالمنافسة، بل يصوغ معايير جديدة للنجاح القائم على الاستدامة والتكامل والموثوقية.
وفي زمن الانقسام بين الأقطاب الكبرى، برزت السعودية كقوة توازن واعية. لم تندفع نحو تحالفات مغلقة، ولم تنزلق إلى سياسة الاصطفاف، بل اختارت التوازن الواقعي الذي يحفظ مصالحها ويمنحها احترام الجميع. ومع الولايات المتحدة تستمر الشراكة الاستراتيجية التاريخية، ومع الصين والهند وروسيا تُبنى شراكات جديدة قائمة على المصالح المشتركة لا الولاءات السياسية. وفي المحيط العربي تعود الرياض لتقود المشهد من موقع الوسيط العاقل لا الخصم المتوتر. لقد أثبتت المملكة في أكثر من مناسبة أن الحياد الواعي أقوى من الانحياز العاطفي، وأن الصمت المدروس أحيانًا أكثر تأثيرًا من البيانات الصاخبة. ومن هنا تحوّلت السياسة السعودية إلى نموذجٍ للعقلانية في عالمٍ يزداد انفعالًا.
ليست قوة السعودية في ثروتها أو موقعها الجغرافي فحسب، بل في مجتمعها الذي تغيّر دون أن يفقد توازنه. ففي السنوات الأخيرة أعادت المملكة بناء مفهوم القوة الوطنية من الداخل: تمكين الشباب والمرأة، رفع جودة الحياة، توسيع مساحة المشاركة في التنمية، وكلها عوامل جعلت المجتمع السعودي جزءًا من خطاب الدولة للعالم. العالم اليوم لا يرى فقط مشروعات اقتصادية ضخمة، بل يرى تحولًا ثقافيًا وإنسانيًا يعيد تعريف الصورة الذهنية للمملكة؛ مجتمع منفتح، وواعٍ بمسؤوليته تجاه محيطه الإقليمي والعالمي.
الاستثمار في الإنسان هو الضمان الحقيقي لدوام الاستقرار، والسعودية تدرك أن من يربح مجتمعه، يربح العالم كله.
النظام الدولي الجديد يُعاد تشكيله حول محورين: الأمن الاقتصادي والتحول الأخضر. وفي كلا المحورين تتقدّم المملكة بخطة متكاملة. فهي لم تعد مجرد مورّد للطاقة، بل قائدة لمستقبل الطاقة النظيفة عبر مشاريع الهيدروجين الأخضر ومبادرات الاقتصاد الدائري للكربون، كما أصبحت حلقة الوصل في سلاسل الإمداد العالمية بفضل موقعها واحتياج الشرق والغرب إلى استقرارها. حتى التحالفات الاقتصادية الكبرى - من مجموعة العشرين إلى بريكس - باتت ترى في السعودية قوة توازن واستقرار مالي تمتلك رصيدًا من الثقة لا يتوافر في كثير من الاقتصادات الكبرى التي تترنّح تحت الضغوط السياسية.
في عالمٍ يموج بالصراعات والأزمات، لا تحتاج السعودية إلى رفع صوتها كي تُسمع، يكفيها ثبات الموقف وصدق الفعل. فحين يتغيّر العالم، هناك دول تتأثر، ودول تُؤثّر. والسعودية اليوم ليست في مقعد المراقب، بل في موقع الموجّه، تصوغ توازنات الاقتصاد والسياسة والمجتمع بلغةٍ جديدة: لغة الاستثمار والعقل والاحترام المتبادل. وبين ضجيج القوى المتنازعة، يبقى الثابت أن العالم يتبدّل، لكن السعودية - بثباتها واتزانها - هي من يرسم ملامح الاتزان الجديد.