جدة - راشد الزهراني:
في توقيت استثنائي، تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الأميركية واشنطن، التي تستضيف في 19 نوفمبر الجاري قمة استثمارية كبرى تجمع بين المملكة والولايات المتحدة، على هامش زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في زيارته الثانية للولايات المتحدة منذ عام 2018.
يتوقع خبراء ومراقبون ألا تكون الزيارة مجرد لقاء سياسي رفيع المستوى، بل تتويج لشراكة اقتصادية استراتيجية متجذرة تعود لعقود، تشهد حالياً «انعطافة كبرى» نحو التنوع والابتكار، بعدما بلغ حجم تبادلها التجاري 500 مليار دولار بين عامي 2013 و2024، وامتدت الاستثمارات بين البلدين لتشمل الصناعات المتقدمة، الاقتصاد الرقمي، والتطوير العقاري.
وأجمعوا على أن الفرص الاقتصادية الواعدة بين البلدين التي وصلت إلى 600 مليار دولار، مرشحة للوصول إلى تريليون دولار خلال الزيارة، استكمالاً للمرحلة الثانية من الاتفاقيات التي أُعلنت خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الرياض، وتكتسب القمة أهمية مضاعفة لكونها تدعم التوجهات السعودية الطموحة لتنفيذ محاور «رؤية 2030»، الهادفة إلى عصرنة الاقتصاد، وتنويع مصادره، وتحويل المملكة إلى قاعدة إنتاجية قائمة على المعرفة والتقنية.
مصدر للفرص
يرى الاقتصادي د. عبدالله صادق دحلان أن العلاقات بين البلدين تشهد تحولاً جذرياً، وتطورا متسارعا في مختلف المجالات، ويشير إلى أن «التمويل السيادي والاقتصاد الرياضي والإبداعي والطاقة النظيفة» باتت تمثل روافع جديدة في معادلة العلاقة مع واشنطن.
ويشدد على أن المملكة اليوم لم تعد مجرد مورد للطاقة، بل أصبحت «مصدرًا للفرص وسوقًا للابتكار»، من خلال استثمارها الضخم في مراكز البيانات، الخدمات السحابية، الذكاء الاصطناعي، والقطاع المالي الرقمي، ويكشف هذا التحول أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يوجّه نحو 40% من استثماراته العالمية إلى السوق الأميركية، يجسد ثقة في قدرات الاقتصاد الأميركي على الابتكار، وتنظر واشنطن إلى هذا التحول كـ «فرصة ضخمة للشركات الأميركية» في مجالات التصنيع المشترك والتقنيات المتقدمة، مما يعزز المنافع المتبادلة ويضمن توطين الصناعات ونمو الناتج المحلي في المملكة.
قاعدة إنتاجية
ويؤكد الخبير الاقتصادي د. يحيى حمزة الوزنة أن الزيارة تكتسب أهميتها من كونها تدعم التوجهات الاقتصادية الجديدة وتوسّع الطريق نحو تنفيذ «رؤية 2030». ويرى أن التحول السعودي «لا يلغي الاعتماد المتبادل، بل يعيد تعريفه». حيث لم تعد المملكة مجرد مورّد طاقة، بل «مهندس فرص واستثمار طويل الأجل»، بينما تصبح واشنطن شريكاً تكنولوجيّا وتمويليّا رئيسياً.
ويشير إلى أن الهدف الأساسي من وراء هذه الشراكة هو الاستفادة من الشركات والتكنولوجيا الأميركية في تحويل البلاد إلى «قاعدة إنتاجية تقوم على المعرفة والتقنية والطاقة النظيفة، وتظهر الأمثلة على هذا التعاون في مشاريع كبرى مثل مشروع «نيوم للهيدروجين الأخضر» بتكلفة 8.4 مليار دولار، بمشاركة شركة «إير برودكتس» الأميركية، وكذلك دور شركة «جاكوبس» الأميركية في تطوير مدينة «ذا لاين» الذكية، هذه المشاريع تعكس تحولاً كبيراً في الاقتصاد والتخطيط العمراني المستدام، وتضمن نقل المعرفة وتبادل الخبرات التي تعزز فرص العمل وتنمية المحتوى المحلي.
توطين الصناعات
ويُبرز المستشار الاقتصادي والقانوني هاني محمد الجفري الجانب المتعلق بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتوطين الصناعات، ويشير إلى أن الاستثمارات الأميركية المباشرة في السعودية بلغت 54 مليار دولار حتى عام 2023، أي ما يعادل 23% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المملكة، وتتوزع هذه الاستثمارات على قطاعات حيوية مثل النقل والخدمات اللوجستية (25.3 مليار دولار)، والتصنيع (13 مليار دولار).
ويوضح الخبير أن الزيارة ستسرّع من وتيرة توقيع الاتفاقيات العملاقة، خصوصاً في قطاعات الصناعات المتقدمة والتقنية، مما يحقق أهداف توطين الصناعات ويرفع من نسبة المحتوى المحلي في الناتج الإجمالي. ومع إعلان سمو ولي العهد عن زيادة الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار، من 600 مليار دولار المعلن عنها سابقاً، يشكّل تحوّلاً نوعيّا جعل من السعودية شريكاً تمويلياً وتكنولوجياً كبيراً للولايات المتحدة، هذا التعاون ليس استثماراً أحادي الاتجاه، بل هو شراكة ثنائية تعزز المنافع المتبادلة وتدعم نمو الاقتصادين.