زياد الجارد
في الماضي، كانت اللقافة تطفلاً بسيطاً من الجيران والأقارب، سؤالاً مباشراً وفضولياً لكنه كان بطريقته البسيطة إنسانياً..
«وين رايحين»؟ من زاركم؟ وش عندكم اليوم؟ وربما، رغم تطفلها كانت تحمل دفئا إنسانيا.. تغيرت ملامح الفضول، واختفى صوت الناس خلف الشاشات.. لم يعد الصديق يسأل بفضول ولا الجارة تطل من النافذة..
أصبحت اللقافة رقمية، مغطاة بالاهتمام ومبررة بالمتابعة.
صارت حياتنا مكشوفة بإرادتنا، حتى الخصوصية لم تعد تجد مكاناً لها..
ننشر كل شيء، قهوتنا، جمعتنا، حالتنا المزاجية، موقعنا، وللأسف حتى اللحظات التي لا تليق بالعرض باتت تنشر.
وأصبح من لا يشارك تفاصيله اليومية يبدو «غريباً» كأنه إنسان من زمن سابق لم يُحدث «تطبيقاته» بعد..
ووسط هذا الانبهار ننسى أن الصورة لا تحكي كل شيء، كوب قهوة أنيق وصورة هادئة جميلة، خلفها روح مرهقة تبحث عن إعجاب يذكرها أنها ما زالت موجودة. أصبحنا في مرحلة جديدة من «اللقافة الراقية» لا أحد يتطفل اليوم بشكل مباشر، بل «فضول تحت غطاء الاهتمام»، فضول بلا صوت.. يسألك بابتسامة رقمية، «وين هالمكان الجميل؟ «متى رحت؟» وهو نفس الفضول القديم ولكن بفلتر ناعم ولمسه رقمية.
اللقافة تغيرت ولكنها لم تختف، فقط انتقلت من الأبواب الى الشاشات ومن سؤال مباشر إلى تحليل رقمي صامت.
ومن «وش عندكم؟» إلى «وش تقصد من الصورة».
لكن وسط هذا الضجيج الرقمي، لا تنس أن للحياة رائحة غير رائحة الإنترنت، وضوءا لا يخرج من الشاشة.
وتذكر يا صديقي أن الهدوء الحقيقي لا يأتي من كتم الإشعارات، بل أن تعيش لحظتك مع أحبابك دون أن تنتظر من يشاهدها.
استمتع بالحياة كما هي، لا كما تُعرض.. وجرب أن تعيش يومك بدون تصوير.. اسمع صوت الناس وأخبرني كيف هي الحياه!