إبراهيم بن يوسف المالك
في بيئات العمل الحديثة، كثيرًا ما تتعامل المؤسسات مع الترقية باعتبارها مسارًا تلقائيًا: إذا تميّز الموظف في تخصصه، فالمحطة التالية هي الإدارة. وإذا أتقن مهامّه الفنية، فالأمر الطبيعي أن يقود فريقًا. غير أن هذا التصور - المنتشر في الشركات حول العالم - هو أحد أكثر الأخطاء التي تدفع المؤسسات ثمنها باهظًا، لأنها ببساطة تفترض أن الخبرة الفنية تعني القدرة على قيادة البشر. وهذا غير صحيح.
لقد رأيت بنفسي - عبر سنوات طويلة من العمل مع فرق مختلفة، وفي قطاعات متعددة - خبراء لامعين، موهوبين، شغوفين، يدخلون إلى المناصب الإدارية ثم يتعثرون بعد أشهر قليلة. ليس لأنهم أقل ذكاءً، أو لأن قدراتهم انخفضت، بل لأن طبيعة الدور تغيّرت بالكامل. فالخبير الفني يقيس نجاحه بما ينجزه بيده: دقة العمل، جودة الإنتاج، وسرعة التنفيذ. أما القائد فيقاس نجاحه بما ينجزه الآخرون، وكيف يحفزهم ويوجّههم، ويُخرج أفضل ما لديهم.
هذا التحول ليس بسيطًا كما يبدو.
فالرجل أو المرأة الذين اعتادوا الغوص في التفاصيل، والاعتماد على تميّزهم الشخصي، يجدون أنفسهم فجأة أمام مسؤوليات من نوع جديد: إدارة أشخاص، حل خلافات، التعامل مع اختلاف الطباع، فهم الدوافع النفسية، بناء الثقة، وتوفير بيئة تسمح للجميع بالتقدم. إنها ليست ترقية تقليدية، بل انتقال إلى مهنة جديدة تمامًا.
ولذلك يفشل كثيرون.
لا لأنهم سيئون، بل لأن أحدًا لم يخبرهم أن القيادة علمٌ مختلف، ومهاراته لا تُكتسب تلقائيًا من مجرد التفوق المهني. فالتعامل مع البشر يتطلب قدرًا من الذكاء العاطفي والقدرة على الاستماع، والمرونة، والوعي بالنفس، والقدرة على اتخاذ قرارات غير شعبية أحيانًا. وهذه مهارات لا علاقة مباشرة لها بالخبرة الفنية.
كما أن الكثير من المؤسسات - دون قصد - تضع الخبراء في فخ مزدوج: إن لم تتقدم إلى منصب قيادي، فالمسار المهني لديك محدود. وكأن القيادة هي الطريق الوحيد للنجاح. لكن هذا التفكير يضر بالخبير، ويضر بالمؤسسة، ويخلق ما يسمّيه علماء الإدارة «مبدأ بيتر»، وهو ترقية الأشخاص حتى يصلوا إلى مستوى لا يجيدونه.
إن الخبراء الذين يحبون عملهم الفني لا ينقصهم الطموح - بل ينقصهم المسار الصحيح الذي يسمح لهم بالاستمرار في التميز دون أن يُجبَروا على قيادة فرق لا يريدون قيادتها. المؤسسات التي تفهم هذا، وتبني مسارات مزدوجة: مسارًا للخبراء، ومسارًا للقياديين، هي المؤسسات التي تبقى محافظة على أفضل عقولها، لأنها لا تدفعهم إلى مقاعد لا تناسبهم.
كما أن تحول الخبير إلى قائد يفرض عليه التخلي عن عناصر كان يعتبرها جزءًا من قيمته: السيطرة المباشرة على التفاصيل، الاعتماد على قدراته الشخصية، وإتقان العمل بنفسه. بينما القيادة تتطلب شيئًا آخر تمامًا: الثقة بالآخرين، تفويض المهام، بناء فريق قوي، وتحمّل المسؤولية عن نجاح الناس، لا عن جودة العمل فقط.
كذلك من المهم الاعتراف بأن القيادة ليست «منصبًا مرموقًا»، بل مسؤولية معنوية وأخلاقية. وهي ليست للجميع، كما أنها لا تجعل الشخص أكثر قيمة دائمًا. فالخبير الذي يضيف قيمة عميقة في مجاله، ويطور منتجات أو أفكارًا أو حلولًا، قد يكون تأثيره الحقيقي أكبر بكثير من تأثير قائد فريق متعب أو محبط أو غير جاهز.
ومن الخطأ أن ننظر لمن يرفض الترقية الإدارية باعتباره قليل الطموح؛ بل ربما يكون أكثر وعيًا بذاته، وأكثر إخلاصًا لحرفته، وأقدر على خدمة المؤسسة من موقعه الطبيعي. فالإدارة ليست إثباتًا للنجاح، بل هي علاقة معقدة بين القائد وفريقه، تتطلب استعدادًا نفسيًا ومهاريًا لا يتوافر لدى الجميع.
الخلاصة أن المؤسسات التي تُخطئ في اختيار القادة، أو التي تفترض أن كل خبير يجب أن يتحول إلى مدير، تخسر كثيرًا من المواهب دون أن تشعر. تخسر الإنتاجية، وتخسر الرضا الوظيفي، وتخسر جودة القرارات. والأهم أنها تخسر الثقة - لأن الموظفين يشعرون بأن النظام يدفعهم إلى طريق واحد فقط، حتى لو لم يكن مناسبًا لهم.
وفي المقابل، المؤسسات الذكية هي التي تُصمم مسارات مهنية بديلة، تسمح للخبراء بالتقدم أفقيًا وعموديًا دون الحاجة للانتقال إلى القيادة. كما أنها تستثمر في تدريب من يرغب فعلًا في القيادة، وتوضح ما تحتاجه الوظيفة من مهارات، وتمنح الوقت للتعلّم التدريجي قبل تسلّم المسؤوليات.
إننا نعيش اليوم زمنًا تتغير فيه مفاهيم العمل والقيادة بسرعة. ولم يعد مقبولًا - إداريًا أو إنسانيًا - أن نرمي الخبراء إلى مناصب إدارية دون إعداد، ثم نلومهم إذا فشلوا.
التخصص قيمة.
والقيادة قيمة.
ولا بد أن نحترم الفارق بينهما.
وبين هذين المسارين، يبقى السؤال الأهم:
هل نهيئ قادتنا كما ينبغي؟ أم نكتفي بدفعهم إلى الأمام ونرجو أن يتعلموا أثناء الطريق؟
هذا سؤال يستحق أن يُطرح - ليس فقط في الشركات، بل في كل المؤسسات التي تسعى لبناء بيئات عمل صحية، وتحقيق أثر حقيقي ومستدام.