د. عيسى محمد العميري
تُعد ديوانية ومتحف البابطين في المملكة العربية السعودية من أبرز المنارات الثقافية والتراثية في المنطقة، إذ تجمع بين الأصالة النجدية العريقة والروح الثقافية الحديثة، لتصبح مع مرور الزمن أحد الصروح البارزة التي تحتفي بالهوية الوطنية وتخلّد إرث المملكة الثقافي والاجتماعي. فمنذ تأسيسها في عام 1435هـ، استطاعت هذه الديوانية أن تتحول إلى مركز إشعاع فكري وثقافي واجتماعي، يجسد القيم السعودية الأصيلة ويعكس مكانة الأسرة المهمة في دعم الثقافة والتراث الوطني. هذا ولقد شهدت ديوانية البابطين تطورًا ملحوظًا على مدى السنوات الماضية، سواء من حيث بنيتها المعمارية أو نشاطها الثقافي والاجتماعي. ففي البداية كانت ملتقىً يجمع الأصدقاء والمحبين لتبادل الأحاديث والذكريات، ثم تطورت لتصبح منصة ثقافية متكاملة تستضيف الندوات والمحاضرات والفعاليات التي تهدف إلى تعزيز الوعي الثقافي والتاريخي لدى أبناء المجتمع. كما عمل القائمون عليها على تطوير مرافقها وتجهيزها بأحدث الوسائل التي تمكّنها من استقبال الشخصيات الرسمية والضيوف من داخل المملكة وخارجها، في أجواء تفيض بالترحاب والكرم العربي الأصيل. وتُعد الديوانية اليوم وجهة رئيسة لعدد كبير من الوزراء والمسؤولين والسفراء والمثقفين الذين يجدون فيها بيئة راقية تجمع بين التراث والحداثة. وقد استضافت على مر الأعوام نخبة من الشخصيات البارزة في مختلف المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، مما جعلها منبرًا للتواصل وتبادل الأفكار والخبرات، ومكانًا يعزز روح الحوار والتقارب بين أبناء الوطن وضيوفه.
أما من الناحية التراثية والمعمارية، فإن ديوانية البابطين تتميز بطابعها النجدي الأصيل الذي يجسد روح منطقة نجد بكل ما تحمله من إرث وتاريخ. فقد صُممت الديوانية على الطراز التقليدي الذي يعكس جمال العمارة القديمة، باستخدام المواد المحلية والنقوش والزخارف المستوحاة من البيئة النجدية، مع لمسات فنية حديثة تجعلها مزيجًا فريدًا من الماضي والحاضر. ويشعر الزائر فور دخوله إليها بروح الدفء والأصالة، حيث تحاكي جدرانها وزخارفها حكايات الأجداد ومجد الآباء المؤسسين الذين صنعوا تاريخ أرض المملكة العربية السعودية منذ الأزل. وتبرز في الديوانية أحد أبرز مكوناتها وأهم معالمها وهو المتحف الوثائقي الذي يعد من أثمن الكنوز الثقافية في المنطقة، إذ يضم بين جدرانه مجموعة نادرة من الوثائق والمقتنيات التاريخية التي تمتد لأكثر من ألف عام. هذا المتحف لا يقتصر على عرض القطع القديمة، بل يقدّم قصة متكاملة عن تاريخ الجزيرة العربية وتطورها الحضاري عبر العصور.
ومن أبرز محتوياته مصاحف قديمة يعود عمر بعضها إلى أكثر من 250 سنة، إضافة إلى عملات نقدية نادرة تعود إلى عصور مختلفة، منها عملات من زمن الخلافة الأموية وقطع نقدية سعودية من مراحل التأسيس الأولى للمملكة، فضلًا عن مجموعة فريدة من الملابس التقليدية التي تعود إلى أكثر من 1300 سنة، ما يجعل المتحف مرجعًا ثقافيًا وتاريخيًا فريدًا في مجاله. ويحظى هذا المتحف باهتمام واسع من الباحثين والمؤرخين والمهتمين بالتراث، لما يحتويه من كنوز توثق المراحل الزمنية المختلفة في تاريخ المملكة والمنطقة. كما يُعد نموذجًا يحتذى في حفظ التراث الوطني وصونه من الاندثار، وتقديمه للأجيال الجديدة بصورة حديثة تجمع بين العرض المتحفي والتعليم الثقافي. ولا يقتصر دور ديوانية ومتحف البابطين على الجانب التاريخي فحسب، بل يتعداه إلى الدور الاجتماعي والثقافي المعاصر، إذ أصبحت منصة لتلاقي المثقفين والأدباء ورواد الفكر، ومكانًا لتبادل التجارب والرؤى التي تسهم في إثراء الساحة الثقافية السعودية والخليجية. وتولي أسرة البابطين اهتمامًا خاصًا في استمرار هذا الدور، إيمانًا منها بأهمية الثقافة في بناء الإنسان ودعم التلاحم الاجتماعي بين أبناء الأسرة الواحدة ويبرز في تماسكها وتلاحمها الأمر الذي ينعكس إيجاباً في المجتمع والدولة بشكل عام. وتجسد هذه الديوانية التزام أسرة البابطين بالحفاظ على التراث السعودي والهوية النجدية الأصيلة، إلى جانب تعزيز روح التواصل الإنساني والثقافي بين الأجيال. فهي تمثل رؤية متكاملة تهدف إلى أن يكون للثقافة حضور فاعل في الحياة اليومية، وأن يبقى التاريخ حيًّا في وجدان المجتمع. كما أن هذا الصرح يعكس القيم النبيلة التي رسّخها الأجداد في نفوس أبنائهم: الكرم، الوفاء، والمحافظة على الموروث العربي والإسلامي.
إن أهمية هذا النوع من الصروح الثقافية والتراثية تتجاوز حدود المكان والزمان، فهي تمثل ذاكرة وطنية حية تروي للأجيال القادمة قصة حضارة ومجتمع. ففي عالمنا العربي والخليجي الذي يشهد تغيرات سريعة، تبقى مثل هذه الصروح علامات مضيئة تحافظ على الهوية وتربط الماضي بالحاضر. وديوانية البابطين، بما تحتويه من إرث تاريخي وإنساني، تُعد شاهدًا حيًا على وعي المجتمع السعودي بقيمة التراث ودوره في صياغة المستقبل.
وفي الختام، يمكن القول إن ديوانية ومتحف البابطين ليست مجرد مبنى أو ملتقى اجتماعي، بل هي رمز حضاري وإنساني يجسد حب الوطن، ويحكي قصة الوفاء للتاريخ والتراث. إنها صرح يجمع بين الفكر والثقافة والهوية، ووجهة بارزة تُكرّس قيم الأصالة والتواصل والاحترام المتبادل، وتؤكد أن الثقافة هي الجسر الحقيقي الذي يربط بين الأجيال ويحافظ على وحدة المجتمع وتاريخه العريق. إن الجهات المعنية في دول الخليج العربية بل وعلى مستوى الدول العربية مطالبين بدعم هذا النوع من الهيئات نظراً لأهميتها الكبيرة التي تتقاطع مع رؤية الدول في الفترة الحالية. فكل الشكر والتقدير لأسرة البابطين لجهودهم المتميزة وغير المسبوقة على هذا الصعيد الثقافي والتاريخي والاجتماعي ذي الأثر البالغ في محيطها. والله الموفق.
** **
- كاتب كويتي