د.عبدالعزيز النخيلان
يصلني اتصال من مسؤولة استقبال المرضى والمراجعين وحلّ مشاكلهم والإجابة على استفساراتهم. عادةً ما يأتيني الاتصال من رقم المستشفى، وأدرك في لحظتها أن وراء الرنين قضية ما.. لا أعلم من أين ستأتي الشكوى، ولا من أي باب ستدخل الملاحظة، أهي تعديل في جدول المناوبات، أم استدعاء من الإدارة، أم استشارة طبية عاجلة من مريض أو زميل.
أتفاجأ بصوتٍ في الطرف الآخر، يحدثني بحماسٍ غامرٍ عن موضوعٍ لا أعلم ما هو، ولا متى وقع، ولا أين، فضلاً عن أن أعرف من هو المتحدث أصلًا.
وفي خضم اندفاعه أجدني أقاطعه بأدبٍ: «ممكن أعرف من معي لو سمحت؟»
فيضطرب صوته بدهشةٍ وكأنِّي طلبت أمراً غريباً، ثم يذكر اسماً أسمعه لأول مرة في حياتي.
هو مريضٌ قابلته قبل أسابيع، ظنَّ أنني أحتفظ بوجهه واسمه وصوته وحالته وعلاجه ومواعيده الفائتة والقادمة، كما يحتفظ هو بصورة الطبيب في ذاكرته!
تمنيت لو أستطيع مساعدته على الفور، لكنني وجدت نفسي أضيّع وقتاً لأتعرف على مشكلته وعلى سبب اتصاله، قبل أن أصل معه إلى الحل.
المشكلة ليست في المريض، ولا في طلبه الذي هو حقٌّ له، بل في الموظفة التي لم تتقن أبسط مهامها: أن تفهم ما يريد المراجع وتحاول حلّه قدر استطاعتها قبل أن تُحوِّله إلى الطبيب.
كثيراً ما يحدث أن تحوِّل عليَّ مكالمةً من مراجعٍ يتحدث طويلاً، ثم بعد مضي دقائق من الحديث والبحث أكتشف -كما يكتشف هو أيضاً- أنني لست الطبيب المعني بالأمر، لا من قريب ولا من بعيد. حينها أدرك أن كل ما جرى من حديثٍ طويلٍ ووقتٍ مهدورٍ كان بسبب إهمال بسيط من موظفة لم تتقن عملها.
هي لم تسأل المراجع بما يكفي لتفهم مشكلته، ولم تكلّف نفسها بأن تتأكد من الطبيب المعني قبل تحويل المكالمة، بل اكتفت بطلب رقم الطبيب الذي تظن أنه المقصود، ثم قامت بتحويل المكالمة مباشرة دون أن تعرّف بنفسها أو تشرح المشكلة أو تستأذن الطبيب مسبقاً. ذلك الظنّ البسيط تحوّل إلى خطأٍ مهني، وإلى وقتٍ ضائع على المراجع والطبيب والموظفة نفسها.
الإتقان في العمل ليس ترفاً ولا تفصيلاً صغيراً. هو ميزانٌ يزن جودة المؤسسات قبل خدماتها. قد يكون الموظف في موقع بسيط، لكنه بواب الصورة الأولى التي يرى من خلالها المراجع منظومة العمل بأكملها؛ فحين يواجه مراجِعٌ موظفاً يُجيد الإصغاء، يطرح أسئلته بدقة، ويتابعها باهتمام، يشعر بثقة وطمأنينة.
أما إذا واجه موظفاً غير مبالٍ، يكتفي بتحويل المكالمة دون تبيّن أو متابعة، فسيتكوّن لديه انطباع سلبي عن كل ما وراء المكتب - حتى لو كانت المؤسسة مليئة بالأكفاء.
إن إتقان العمل لا يعني أداء المهام الكبيرة فقط، بل يبدأ من التفاصيل الصغيرة: من طريقة الردّ على الهاتف، ومن الحرص على فهم المشكلة قبل تمريرها، ومن الإحساس بالمسؤولية تجاه الوقت والجهد والآخرين.
فكل عملٍ -مهما بدا بسيطاً- يحمل أثراً يمتدّ، لأن كل حلقةٍ في سلسلة العمل تمسّ رضى المريض وثقته بالمكان الذي يقصده بحثاً عن العناية والاحترام. وقد يكون ما تفعله الموظفة لا يتجاوز دقائق من المحادثة، لكنها الدقائق التي تُحدث الفارق بين تجربة مراجعٍ يشعر أنه في أيدٍ أمينة، وآخر يخرج بانطباعٍ سيئٍ عن المؤسسة بأكملها.
هكذا تتكوّن الصورة العامة من تفاصيل صغيرة، وهكذا يبني الإتقان قيمته الحقيقية في عيون الناس قبل أن يُكتب في لوائح الجودة أو شعارات المستشفيات.
لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه.»
وما أجمل أن نعمل، لا لأننا مطالبون بالعمل فقط، بل لأننا مؤتمنون عليه، ولأننا نعلم أن الإتقان عبادة، وأن قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ} ليست مجرد أمرٍ بالعمل، بل دعوةٌ إلى الإحسان فيه، صغيراً كان أم كبيراً.