صباح عبدالله
رغم أن عنوان كتاب معنى الحياة: مقدمة وجيزة « للفيلسوف البريطاني تيري إيغلتون «يبدو بسيطا، إلا أن ما يحتويه من عمق فكري وفلسفي يجعل القارئ يخرج منه أكثر أسئلة مما دخل بها، فالفيلسوف لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يفتح بوابات الأسئلة الكبرى التي شغلت الإنسان منذ بداية وعيه بذاته، فيحفر في المفهوم الأكثر تداولا وغموضا في آن واحد: «معنى الحياة».
منذ الصفحات الأولى يعلن إيغلتون أن هدفه ليس تقديم فلسفة جديدة بقدر ما هو تأمل في سؤال قديم ظل عالقا في الوجدان الإنساني. يبدأ الكتاب بمفارقة ذكية: هل سؤال «ما معنى الحياة؟ سؤال حقيقي أم لغوي؟ وهل يمكن أن يجاب عنه بطريقة عقلانية مثل أي سؤال علمي؟ هنا يضع القارئ أمام حقيقة أن الفلاسفة لا يسعون إلى إغلاق الأسئلة بل إلى توسيعها، وأن معنى الحياة لا يمكن اختزاله في عبارة أو مبدأ واحد.
يمتاز أسلوب إيغلتون بالرشاقة رغم عمق الموضوع. فهو يكتب بلغة تجمع بين الوضوح والسخرية المبطنة، محاولا أن يجعل القارئ شريكا في التفكير لا مجرد متلق. في فصله الأول المعنون بـ«أسئلة وأجوبة»، يبدأ باستعراض طبيعة السؤال نفسه مشيرا إلى أن الفلاسفة لطالما انشغلوا بجدوى السؤال أكثر من الإجابة عنه. وهو هنا يقترح أن سؤال «ما معنى الحياة؟» ربما ليس سؤالا ميتافيزيقيا بقدر ما هو سؤال لغوي وفكري يتعلق بكيفية استخدامنا لمفهوم «المعنى». فحين نقول «ما معنى الحياة؟» نحن نفترض أن الحياة أشبه بجملة أو نص بحاجة إلى تفسير، لكن الحياة قد تكون فعلا لا يحتاج إلى معنى بل إلى عيش صادق وواع.
ثم ينتقل في الفصل الثاني: معضلة المعنى إلى مناقشة إشكالية اللغة ذاتها، وكيف أن البحث عن «المعنى» يقودنا إلى متاهة الدلالات والمفاهيم. فالمعنى ليس شيئا ثابتا يمكن الإمساك به، بل علاقة بين الإنسان والعالم. يوضح إيغلتون أن اللغة التي نصوغ بها أسئلتنا عن الوجود قد تكون نفسها قيدا يمنعنا من إدراك جوهر الحياة، لأننا نحاول أن نحصر التجربة الإنسانية اللامحدودة في كلمات محدودة. في هذا السياق، يستخدم الفيلسوف أمثلة دقيقة من الحياة اليومية ومن اللغة الإنجليزية، ليبين كيف أن الكلمة الواحدة قد تحمل ظلالا من المعاني المتغيرة بحسب السياق، وأن «الحياة» ليست استثناء من ذلك.
أما الفصل الثالث: أقوال المعنى، فيغوص فيه إيغلتون في مقاربات فلسفية وأدبية متنوعة لسؤال الوجود. يتنقل بين أفكار تولستوي، وكامو، وفتجنشتاين، وسارتر، ليعرض كيف تعامل كل منهم مع فكرة «المعنى». فبين من يرى أن الحياة عبث لا يحتمل إلا بالتمرد، ومن يرى أن معناها في العمل أو في الحب أو في الإيمان، يقدم إيغلتون رؤيته الخاصة التي تقوم على الانفتاح لا الحسم. فالمعنى عنده ليس غاية مكتشفة في نهاية الطريق، بل عملية مستمرة من البحث والحوار مع الذات والعالم. المعنى لا يعطى، بل يصنع من خلال المشاركة، الحب، والفعل الإنساني المتجاوز للأنانية.
وفي الفصل الرابع: هل الحياة هي ما نصنعه منها؟، يناقش المؤلف فكرة الإرادة الإنسانية ودورها في تشكيل المعنى. فبينما يرى البعض أن الإنسان يخلق معنى حياته بيده، يرى آخرون أن للحياة نظاما أوسع يتجاوز الفرد. إيغلتون لا ينحاز لأي من الطرفين، بل يرى أن الإنسان فاعل داخل شبكة من العلاقات المعقدة — مع الطبيعة، والمجتمع، والتاريخ، والإيمان — وهذه الشبكة هي التي تمنح للحياة معناها. إنه يوازن بين الحرية والقدر، بين الفعل والقبول، بين الوعي بالذات والانتماء إلى ما هو أكبر منها.
من أجمل ما في الكتاب أنه يجمع بين الفلسفة والأدب، إذ يمر إيغلتون عبر نصوص أدبية وفكرية ليجعل الفلسفة قريبة من القارئ العادي. لا يتحدث من برج عاجي، بل من موقع الإنسان الذي يعيش الحيرة والبحث نفسه. لغته آسرة لأنها تحترم القارئ ولا تفترض فيه معرفة مسبقة، بل تدعوه إلى التأمل في حياته اليومية كحقل لتجريب الأفكار. كما أن ترجمة رندة بعث جاءت دقيقة وسلسة، استطاعت أن تنقل روح النص الإنجليزية بما فيها من نفس فلسفي وعمق لغوي، فيما تولت رباب عبيد مراجعته لتمنح الترجمة دقة فكرية إضافية دون أن تفقدها خفتها.
يتضح من بنية الكتاب أنه ليس مجرد دراسة أكاديمية بل تأمل إنساني عميق. فكل فصل من فصوله الأربعة يضيء زاوية جديدة من السؤال ذاته: ما معنى أن نعيش؟ وكيف ندرك الحياة كقيمة لا كعبء؟ إنه كتاب يذكر القارئ بأن «المعنى» لا يعثر عليه في الكتب أو النظريات، بل في التجربة نفسها: في الحب، في الصداقة، في الإبداع، وفي مقاومة اللا معنى بالوعي والجمال. إيغلتون يعيد للإنسان مسؤوليته أمام حياته، إذ لا يمكننا أن نطالب الكون بأن يفسر نفسه لنا؛ نحن من يجب أن نضفي المعنى على وجودنا بأن نعيش بصدق.
في خاتمة الكتاب، يلمح إيغلتون إلى أن سؤال «ما معنى الحياة؟» قد يكون خطأ في الصياغة أكثر منه لغزا فلسفيا، لأننا نفترض أن للحياة غاية خارجها، بينما الحقيقة أن المعنى يكمن فيها ذاتها، في تفاصيلها الصغيرة، فيما نمنحه نحن لها من محبة وإخلاص وعمل ومعرفة. يذكرنا بأن الفلسفة ليست بحثا عن إجابات نهائية، بل تدريب على الرؤية، وأن الإنسان كلما ازداد وعيا، ازداد قربا من إدراك قيمة الحياة لا معناها فحسب.
الكتاب في مجمله رحلة فكرية قصيرة نسبيا (في نحو 170 صفحة)، لكنها مفعمة بالدهشة والمساءلة. صادر عن هيئة البحرين للثقافة والنشر، وهو جزء من سلسلة الكتب الفلسفية الموجزة التي تهدف إلى تقريب الفكر الفلسفي من القارئ العربي. وفي هذا السياق، يحقق الكتاب غايته بامتياز، إذ يفتح الباب للفكر دون أن يثقل على القارئ بالمصطلحات، ويقدم الفلسفة كفن للحياة لا كمبحث أكاديمي مغلق.
بعد الانتهاء من قراءته، يشعر القارئ بأن السؤال لم يجب عنه بعد، لكنه تغير في جوهره. لم يعد «ما معنى الحياة؟» بل «كيف أعيش حياة ذات معنى؟» وهنا تكمن عبقرية إيغلتون. إنه لا يقدم إجابات بل يعلمنا كيف نسأل، وكيف نصنع من حياتنا نفسها إجابة مفتوحة وجميلة، تظل تتشكل ما دمنا على قيد الوعي.
في زمن تتكاثر فيه الضوضاء وتتشابه فيه الأيام، يأتي هذا الكتاب ليذكرنا بأن البحث عن المعنى هو ما يجعلنا بشرا، وأن الحياة لا تحتاج إلى تفسير بقدر ما تحتاج إلى إنصات. فالمعنى ليس في الكلمات، بل في التجربة التي نعيشها بكل ما فيها من ألم وسعادة، بحث وضياع، بداية ونهاية. وربما كما أراد تيري إيغلتون أن يقول: إننا لا نبحث عن معنى الحياة كي نجد جوابا، بل لأن في السؤال ذاته حياة.