دهام بن عواد الدهام
لعل الحق الأدبي يلزمني أن أشير إلى أن نسيج هذه القصة (بالنسبة لي على الأقل) أطلعت عليه في حساب المغردة ملكة الثنيان والتي استعرت بعض من لغتها في حبكة السرد هذه، حاولت الاستقصاء عن تفاصيل أكثر وأقرب واقعية لم تثمر جهودي بإجابات قاطعة (رغم شيوع مثل هذه القصص في السرديات الشعبية) باستثناء معلومات متحفظة من صديق ودون أن يثبت أو ينفي، أما ما يتعلق عن بعض المعلومات عن الذئب وطباعه فقد استقيتها من ابن العم رامي الحزيم الخبير وصديق ومربي الذئاب علاقة وتربية؛ حيث أفاد أن من ميزات الذئب الاختفاء عن أنظار الناس وتجنب الظهور في أوقات النهار، وعدم التزاوج من المحارم (بنت أخت أم) وإذا أراد التزاوج ينفصل عن القطيع والبحث عن قطيع آخر، والذئب العربي الأصيل فرط الحركة وإذا ما تمت تربيته من قبل شخص ما وكان التفاهم والمعاملة بالاحترام يكون وفيًّا للشخص الذي رباه لا ينسى صاحبه أبدا حتى وإن غاب عنه سنوات.
وفاء وبر الأبناء من الذئاب للأبوين عند كبر سنهم يقوم بخدمتهم وجلب الطعام لهم عن طريق (بلع) اللحم وارجاعه امامهم كوسيلة أقل وأسهل.
ومن الميزات إذا كان ذئب وحش لم يسبق له تربية وكنت تطعمه لا يغدر على المواشي أو (الحلال) في مكان إطعامه ولا يقفز أسوارها، الوفاء بين الزوجين إذا فقد أحدهم الآخر بموت لا يتزوج من غيره، ليس عند الذئب تعدد الزيجات مثل باقي الحيوانات، من الميزات والأشياء المهمة عند (الذئب)، اعتماده على حاسة الشم أكثر من النظر يثق في أنفه كثيراً. (ربما هذه الحاسة ستخبرنا عن بعض تفاصيل المشهد لاحقا) لم يؤكد لي السيد رامي ما يشاع عن علاقة الذئب بالجان وقدرته على رؤيتهم، ربما يتحفظ على إثبات ما ليس له به علم أكيد.
من هنا ستكون هذه السردية اعتمادا على تراكيب اجتماعية موروثة عن علاقة الذئب بالإنسان في مواطن حاجته للطعام أو الشراب تدعم بشكل مقبول، هذه الرواية وفي سياقها وليست الأولى في الموروث الشعبي القصصي.
تداخلت رقة أنثى ووحشية ذئب في لحظة جمعهما القدر
(قرًاشه) هي مصطلح جوفي بامتياز.. ذات زمن تشح فيه المؤن للإنسان والحيوان فيلجأ الناس بعد غيث السماء إلى التوجه إلى مناطق الربيع القريبة لجمع ما جادت به الأرض من حشائش وأعشاب بمجموعات رجال ونساء ربما تربط بعضهم علاقة قربى أو جوار، لكن ما يجمع بينهما الحاجة وقت كانت العفة والرجولة والحمية مقترنة برباط أخلاقي مقدس، تجتمع خيوطة في الحاجة المشتركة والالتزام الديني والأخلاقي بإحترام وصون العِشرة بين الرجال والنساء، وقت كانت المرأة فيه عونا وسندا وحمالة أثقال أسرية، فجرها بداية وغروب شمسها استكنان وهدوء في ظل حجيرات فيها إن لم تكن حمولة ففيها زوج وأبناء وحظيرة قليل من شياه وغنيمات وعشة فيها خلية من حمام أو دجاج ربما قد تغني عن البحث عن رزق يرم جوع وطعام أسرة..
ذلك الزمن حين ينعم الله على الأرض وليست بمسافات بعيدة عن اطلال المدينة يبدأ (القرًاشة) بامتطاء أقدامهم جماعات (رجال اقحاح ونساء كادحات عفيفات (لعدم وفرة وسائل نقل وحتى من الدواب) إلى أقرب فيضه (ارض منبسطة) معشبة يجتزون منها (يحشون) ما غلاء نفعه وخف حملة مؤنة تلك الغنيمات أو بعض شياه مصدر امداد تمويني للأسرة.
ففي نهارٍ كعادته بالجوف حاضرتها سكاكا خرجت سندا (برفقة آخرين) قرًاشة تحشّ العشب بيديها تجمع ما استطاعت جمعه والمخزن والحاوية (بقشة) على رأسها أثقل من الزمن.. وأخفّ من معاناتها.
عادت سندا أدراجها حاملة اثقالها نظرا لقرب غروب الشمس، وبما أنها سيدة المنزل كانت العودة وحيدة، لتكمل واجباتها المنزلية ليس معها إلا ايمانها وقوة يقينها بأمن وأمان الطريق، لم تكن تحسب أنها ستكتب ملحمة في قوة الايمان والشجاعة والحياة بين الانسان وحيوان مفترس لم تكن تعد خطواتها على الرمل لأن طريقها هذا اعتادته، رسمته في (قوقل ماب رأسها) خطوتها واثقة ولا تدري، وربما لم تضع هذا الهاجس أصلا بين أن تكون بطلة أو أن تكون فريسة من كان يترصّد وتربص بها وقد سبر طريقها بطبيعته المتوحشة.
كان الطريق طويلًا على من تحمل اثقالا وتعب اليوم والعطش والوحشة، تمشي صامتة ورأسها يحمل حصاد يوم ربما يصل وربما لا، مع بعض تراتيل أو أهزوجة تسلي بها نفسها الوحيدة حين لا رفيق درب.
ثم... كانت المفاجأة الصدمة خطر يعترض طريقها، غريبا ليس عادياً اهون صفاته الوحشية والافتراس، لم يقف في هذا الطريق إلاُ فلريسة تمنحه الحياة.
مخلوق رويت عنه الحكايات واحتل بعض من جغرافيا حول الأرض في محيطها الذي لا أحدً يعلو على دهائه وقسوته حين افتراس ضحيته، وقف أمامها بنظرة مختلفة وكأنه يقول: هل تهربين يا سِنْدا؟ هل تصرخين؟ هل ترمين البقشة؟ خوفًا من أنيابي ليس هناك من يسمع صوتك. واستغاثتك تسمرت واقفة لكن ايمانها امدها بالقوة والشجاعة وأضعف إيمانها أن تموت مقاومة شجاعة، هذه الحالة النفسية التي احتمت بها سندا وربما ولطباع الذئب التي أشرت إليها سابقا باعتماده على حاسة الشم، اشتم منها رائحة القوة وعدم الخوف وهنا تساوت موازين القوى ذئب مفترس وطباع وحشية وامرأة تحلت بالإيمان والشجاعة
ماذا تفعل امرأة وحيدة... في حضرة ضيف تاريخه دموي، دارت عقارب التفكير سريعة جدا أسرع من الصوت ومن مخزن معلومات عال السرعة، لكن سِنْدا كانت اقوى من ذلك وقفت وعلى رأسها نفس البقشة بنفس الطريق بنفس الملامح ونظرت له نظرةً لا توحي بالخوف والوجل خاصة وهو لم يبادر إلى إظهار أي حركة للانقضاض وقف وكأنه مستسلما وهي تعرف ذكاءه الفطري (وقدرته على معرفة الحالة النفسية لخصمه)، لكن حاجة البقاء كانت المشتركة بين الطرفين، اهتدت بفطرتها بسبب استمراره واقفا صامتا تملكتها الشجاعة، إنه صاحب حاجة ولا يبحث عن فريسة (بحجمها) بل إلى لقمة يسد بها جوعه ربما هدت تلك الحاجة قواه
بثقة بالله وتوكل عليه مدّت يدها إلى جيبها من اسفل عباءة تتلحف بها أخرجت ما أخفته لنفسها: حفنة تمر صغيرة علها تسد جوعها حتى تصل منزلها وربما شاركت أسرتها هذه القطعة الغنية لمقومات الحياة كانت تختزنها.. وبكل ثقة اقتربت منه ورمتها اليه مع صوت تخاطب به نفسها قبل أن تخاطبه رمت التمرة أمامه وقالت: «السموحة... ما معي إلا هي».
يا الله.. يا للقدر امرأة تعتذر لذئب لأنها لا تملك له أكثر! أي كرم أي جرأة أي شجاعة ؟ تقدم له زادها وتعتذر.
تناولها الذئب وبقي ساكنا وكأنه أنس لها في الوقت الذي كانت تملا نفسها بالشجاعة لمواجهة مصير مع مفترس، أكل التمرة ثم ظل متجمدا (وكأنه يعطيها الأمان) ينظر إليها وفي نفسة حاجة أخرى:
إنه العطش؟ أو في نفسها كأنه يناديها.. فالعطش أقسى من الجوع... وتدور أسئلة خفية.. في لحظات فارقة بين الموت والنجاة.
فهمت حاجته فأجابت بلا إجابة ولا تردد.. سكبت الماء في راحتيها واقتربت منه وضعت كفيها الصامدتين بالقرب من فمه كفّان فيهما ما لا يجده في نبع أو غدير تاه عنه في عواصف الصحراء المتربة.
تسقيه بلا وجل وخوف، ولا تبتعد كأنها بسقيا عطشه ملكت مفاصل انقذ حياته وحياتها
فهل تتخيل ما يعني أن تسقي وحشا مفترسا من كفّك؟ أن تُعرّض لنهشة بأحد انيابه تشل يدك تتلاقى نظراتهما وكأنها تنذر بخطر أو توحي بابتسامة رضى أن تُنزل عن مقام خوفك، وتخاطر بحياتك لأن الآخر العدو المفترس بحاجتك.
شرب. وانطفأت فيه نار وحشيته لم يرحل لم ينهش لم يعوِ لم يغدر بل نظر إليها وكله امتنان لما قدمت له.
استدار مشى خطوات امامها وخطوات بجانبها خطوة بخطوة صامتا حذرا يتلفت يمنة ويسرة وكأنه يرقب ويمهد طريقها بأمان (لعب دور الحارس الأمين).
انقلبت وحشيته إلى امتنان: مفترس استسلم وامرأة أنقذها الله بذكائها الفطري وإكرام ضيف.
وعندما وصلا مشارف مدينتها (سكاكا) وقف على حزم (تكوين مرتفع اقل من الجبل) ممتد القامة يتطاول راسه عنان السماء بهيبته.
أطلق صوته بعوى لا ليُرعبها ولم يكن فزعًا، كأنه يعزف لها ترتيلات شكر على حب عابر تبادلا فيه أسباب البقاء
كرم من ضعيف ورحمة من قوي. يذكرني لحظة العوى هذه ما يتردد حاضرا ابيات للشاعر الخزام تقولها سندا لو كانت اليوم (الذيب يا يمه عوى والجبل مرباه، شبعان يمه ويعوي مدري وش نوحه خلي على الفراق نوى مدري وش نوحه)..
عوى اهزوجة:
«وداعًا يا بنت الكرام وكأنه يردد بيت من الشعر عنوان كرم للضيافة يتغنى به أهل الجوف (ما قيل في غرس حلانا قد تجرنا وما قيل صك الباب وافق غدانا)،
يا من جعلتِ الكرم لا يُقال يا من رأيتكِ ضعيفة... فصرتِ أعظم من كل الخيالات والأمنيات» ثم اختفى جسد وغادر إلى حياة وتخلد ذكرى.
سِنْدا... لم تكن تُريد أن تصبح بطلة مواجهه مع ذئب، لكن الشجاعة والكرم والمروءة حين تمرّ من الجوف، لا تجد بابًا موصدا عنها.
سِنْدا؟ المرأة؟ قصة كتبت ونسجت تشارك أدوار البطولة مع ذئب مفترس ملكته بتمرة وسقته ماء عذبا زلالا لم تكسر جوعه وعطشه، بل بشجاعتها وكرمها طوقت عنقه بكرم لا يعرف الخوف سِنْدا.. المرأة التي رحلت وتركت خلفها قصة ترويها الأجيال.