طارق محمود نواب
في داخل كلّ إنسان إمبراطوريةٌ مترامية الأطراف، حدودها الوعي، وجيشها العزيمة، وعرشها الإيمان بنفسه. فليست الإمبراطوريات كلها تُبنى بالحجارة، فبعضها يُقام من أفكار تُحسن إدارة ذاتها، ومن قلب يعرف متى يُقاتل ومتى يُسامح. فالمعركة الحقيقية لا تدور بينك وبين الآخرين، بل بينك وبين نفسك حين تُضعفك الأعذار، وتُغريك الراحة بالتنازل عن أحلامك.
وحين تنتصر على خوفك، تتسع أرضك،
وحين تهزم كسلك تزدهر إمبراطوريتك،
وحين تُنصت لصوتك الداخلي تكتشف أن المجد لا يُورث، بل يُصنع.
ففي إمبراطورية الذات، لا مكان للانهزام، ولا وجود لعملة الحسد أو الغيرة، بل ميزانها الاتزان، وسلاحها الحكمة، ودستورها الصدق مع النفس. وفي أروقة هذه الإمبراطورية تتجوّل الأحلام كفرسان من نور تحرسها التجارب، وتنضجها الخيبات، ويظل الإصرار حارسًا لبوابة الطموح، فكل جرح فيها وسام، وكلّ عثرة درس، فمن لم يسقط في معركة ذاته لن يعرف معنى النهوض، ومن لم يختبر ظلامه لن يعرف قيمة نوره.
وفي النهاية تدرك أن أقوى إمبراطورية في الوجود هي تلك التي تُقام في داخلك… بلا جنود، ولا أسوار، بل بإنسان يعرف من هو، ويؤمن أنه كفيل بصناعة مجده.
وفي قلب هذه الإمبراطورية، ثمة مجلسٌ سري لا يحضره أحدٌ سواك… مجلسٌ تُعرض فيه قراراتك الكبرى، وتُختبر فيه نواياك الصغيرة، فلا تصويت إلا للصدق، ولا نفوذ إلا للقيم التي لا تتزحزح. وهناك تتعلم أن أكبر خيانة ليست خيانة الآخرين لك، بل خيانتك لنفسك حين تتجاهل صوتها أو تُطفئ شرارة حلمٍ وُلد ليكبر.
وتفهم أن السلطة الحقيقية ليست في السيطرة على الناس، بل في السيطرة على الفكرة التي كادت تهزمك، وعلى اللحظة التي كانت ستسحبك للخلف فتمسكت بالثبات وتقدّمت. وفي إمبراطوريتك لا تحتاج إلى تصفيق، ولا تنتظر مكافأة، فأعظم الجوائز تُسلّمها لك الحياة بصمت بعد أن تتجاوز امتحانًا ظننتَه أكبر منك، ثم اكتشفتَ أنه كان فرصةً لترى حجمك الحقيقي.
وتُدرك أيضًا أن أعداء الداخل أخطر من أعداء الخارج وهم الخوف، والشك، والتردد… فهم جنودٌ إذا لم تُحسن تأديبهم انقلبوا عليك وقادوا إمبراطوريتك نحو السقوط. أما إن أحسنت قيادتهم، صار الخوف حارسًا، والشك مستشارًا، والتردد بوابةً للتأمّل لا للجمود.
وحين تبلغ هذه المرحلة… تدرك أن إمبراطوريتك ليست دولةً تبحث عن اتساع، بل روحٌ تبحث عن صفاء، وأن المجد ليس قمةً تصلها، بل حالةٌ تبلغها… حين تقول لنفسك في آخر الليل: «لقد كنتُ كما يجب أن أكون».
وهكذا تقوم إمبراطورية الذات على ركيزتين لا تُهزَمان، معرفةٌ تُضيء الطريق، وإيمانٌ يجعل الطريق ممكنًا.
فامضِ فلا أحد يملك أن يهزمك.. ما دمتَ أنت لم تهزم نفسك.