د. رانيا القرعاوي
قديمًا قالوا إن «الصحافة هي المسودة الأولى للتاريخ»، لكن ما كُتب عن زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن يجعلنا نتساءل: من يكتب هذه المسودة فعلًا؟ ومن يملك حق صياغة رواية اللحظة التي تحوّل فيها البيت الأبيض -رمز القوة السياسية- إلى «بيت أخضر» مشغول بالأرقام، وبالاستثمارات، في الذكاء الاصطناعي، أكثر من انشغاله بالأسئلة التي تشغل جمهور الإعلام العربي؟
في العاصمة الأمريكية، نفذت الطائرات الأمريكية عروضا جوية في سماء العاصمة واشنطن خلال استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض. وأقيم عشاء رسمي يضم قادة كبرى شركات التقنية، وصنفت المملكة حليفًا رئيسًا لأمريكا من خارج الناتو، إلى جانب ذلك، إعلان ولي العهد رفع الالتزامات الاستثمارية من 600 مليار دولار اتُّفق عليها في الرياض في مايو 2025 إلى تريليون دولار تُضخ في البنية التحتية والتقنية والصناعة الأمريكية.
لكن تغطية الإعلام هناك لم تهتم بالأرقام بقدر اهتمامها بأن واشنطن منحت ولي العهد عمليًا إعادة تأهيل كاملة في قلب النظام السياسي الأمريكي، من دون أن تحصل في المقابل على الجائزة التي كان كثيرون يتوقّعونها: اتفاق تطبيع تاريخي مع إسرائيل.
فلم تخرج إسرائيل بعلمٍ سعوديٍ يُرفع في ميدان التطبيع. على العكس، سمع العالم من جديد موقفًا سعوديًا يربط الانضمام لاتفاقات أبراهام الخاصة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، بمسار واضح نحو حل الدولتين ودولة فلسطينية قابلة للحياة.
هنا، يطل سؤال «الإعلام السنع»: لماذا بدا جزء من الإعلام الغربي أكثر انتباهًا إلى هذه النقطة من الإعلام العربي نفسه؟ عنوان Times of Israel يختزل المشهد بوضوح: «استقبال أحمر، صفقات طائرات، وعشاء ذهبي.. دون التزام بالتطبيع». بينما تحليل Carnegie يصرّح بأن ولي العهد «يركّز على التطبيع، ولكن ليس مع إسرائيل بل مع واشنطن»، في إشارة إلى أن المعركة الحقيقية هي على تعريف السعودية كشريك إستراتيجي لا غنى عنه، أكثر من كونها «جائزة تطبيع» في السوق السياسية الإسرائيلية والأمريكية.
في المقابل، إذا قلبنا صفحات العديد من المواقع والقنوات العربية، سنجد أن العناوين الكبرى ركزت على رقم واحد: 270 مليار دولار من الاتفاقيات في منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي، و575 مليارًا مجموع الاتفاقيات والاستثمارات المعلنة، وتريليون دولار كالتزام استثماري مستهدف في الولايات المتحدة. الأخبار تُسرد كأنها نشرة اقتصادية: صفقات، مذكرات تفاهم، فرص عمل. قليل من هذه التغطيات توقف عند ما اعتبرته الصحافة الإسرائيلية والأمريكية «إخفاقًا» دبلوماسيًا في انتزاع توقيع سعودي على اتفاق تطبيع، أو عند إصرار الرياض العلني على ربط أي خطوة في هذا الملف بمسار جدي نحو الدولة الفلسطينية.
عندما ننظر إلى مسار الاستثمارات عبر ثلاث محطات، تتضح الصورة أكثر. في الرياض عام 2017، أعلنت إدارة ترامب آنذاك عن صفقة أسلحة بقيمة 110 مليارات دولار فورًا، مع حزمة تصل إلى 350 مليارًا خلال عشر سنوات؛ وفي مايو 2025، في الرياض أيضًا، قفز الحديث إلى 600 مليار دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأمريكي، تشمل الطاقة، الدفاع، التقنية، وتأسيس أكبر مركز للمعادن الحرجة في العالم، مع حزمة دفاعية تقدر بـ142 مليار دولار. وفي نوفمبر 2025 في واشنطن، ترتفع الأرقام مجددًا، صفقات واتفاقيات بنحو 270 مليار دولار خلال منتدى الاستثمار، وتوسيع الالتزام الاستثماري إلى نحو تريليون دولار، في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والفضاء. هذه ليست مجرد صفقات معزولة، بل إعادة تشكيل لهيكل العلاقة السعودية الأمريكية من التعاون في إطار تقليدي يرتكز على النفط، إلى شراكات أكثر تنوعًا وشمولًا واستدامة. ومع ذلك، فإن كثيرًا من التغطية العربية اختزلت المشهد في السؤال السهل: كم مليارًا حصلت أمريكا عليه؟ بدل السؤال الأصعب والأهم: «أي نظام إقليمي جديد يتشكل؟ وأي معادلة قوة جديدة تفرضها الرياض على البيت الأبيض؟
مارشال ماكلوهان قال قديمًا إن «الوسيلة هي الرسالة»، أي أن شكل التغطية هو جزء من مضمونها. فحين يكتفي الإعلام العربي بعرض الأرقام ولقطات المصافحة والموكب الرسمي، فإنه يقول ضمنًا إن ما يهمه هو «الاستثمار» لا «الاستقلالية الإستراتيجية»، وإن معيار النجاح الوحيد هو حجم الصفقة، لا نوع التنازلات التي لم تُقدّم. في المقابل، جزء من الإعلام الغربي – برغم تحيزاته – كان أكثر صراحة في الاعتراف بأن ولي العهد خرج من البيت الأبيض من دون أن يمنح إسرائيل ما تريد.
كانت زيارة واشنطن فرصة ضائعة للإعلام العربي للإجابة على السؤال الذي ينتظره الكثيرون، فكان يمكن للصحف والفضائيات أن تقدّم للجمهور ثلاث رسائل مركزية على الأقل. أولًا، أن السعودية تعيد تعريف علاقتها بواشنطن على قاعدة شراكة أوسع من ملف النفط، تمتد إلى الاقتصاد الأخضر والذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي، وهذا يعني أن «البيت الأبيض» نفسه بات بحاجة إلى «اللون الأخضر» السعودي، مالًا وتقنيةً واستقرارًا للطاقة. ثانيًا، أن الرياض تستخدم ورقة التطبيع بذكاء تفاوضي، ولم تمنح توقيعًا سياسيًا مجانيًا على حساب الفلسطينيين. ثالثًا، أن الموقف السعودي من التطبيع لا يزال مشروطًا بمسار حقيقي نحو دولة فلسطينية، وهو ما كرره ولي العهد في قلب واشنطن، لا في بيان خجول على هامش قمة عربية.
وسائل الإعلام في الأنظمة الديمقراطية لا تعكس دائمًا وجهة نظر المجتمع بشكل كامل، بل غالبًا ما تعمل على تشكيل وعي الجمهور وتوجيهه ليكون أكثر قبولاً لسياسات النخب الحاكمة، وهو ما يُعرف بوظيفة «صناعة القبول». إذا تركنا رواية هذه الزيارة حصريًا للمنصات الأمريكية والإسرائيلية، فإننا نقرأ الحدث بأعين من يعتبرون أن التفوق الحقيقي يُقاس بما إذا كانت إسرائيل قد حصلت على مكاسب إضافية أم لا.
لكننا في إعلامنا علينا ألا نكتفي بنقل هذه الرواية أو ترجمتها، بل نضيف لها زاوية عربية وسعودية واضحة: ماذا يعني أن تحصل المملكة على تحالف دفاعي وتكنولوجيا متقدمة واستثمارات ضخمة، من دون أن تغيّر ثوابتها المعلنة تجاه القدس وفلسطين؟
على وسائل الإعلام المحلية أن تتعامل مع هذه الزيارات كملفات تحليلية لا كأخبار بروتوكولية. بدل عنوان واحد عن «270 مليار دولار من الاتفاقيات»، يحتاج الجمهور إلى قصص معمقة عن تحوّل البيت الأبيض إلى «بيت أخضر»، وعن كيف تستخدم الرياض هذه الورقة لبناء توازن جديد مع واشنطن وبكين وموسكو في وقت واحد. وأن تعيد وضع فلسطين في قلب هذا السرد؛ ليس عبر شعارات، بل عبر توثيق ما قيل رسميًا عن ربط أي تطبيع بمسار سياسي جدي، ومقارنة ذلك بما تحاول بعض الأصوات في إسرائيل بيعه من وهم «تطبيع بلا ثمن للفلسطينيين». كما ينبغي أن يتبنّى الإعلام لغة الأرقام نفسها التي يتقنها في الاقتصاد، ولكن في السياسة أيضًا: ما حجم المكاسب الأمريكية من هذه الاتفاقيات؟ وما الذي خسرته إسرائيل فعليًا حين خرجت بلا تطبيع، رغم كل ما حصل عليه حليفها الأمريكي من استثمارات وصفقات؟
في النهاية، عندما يتحول البيت الأبيض إلى بيت أخضر، ليس المقصود فقط لون الحديقة أو لون الدولار، بل لون التوازنات الجديدة التي ترسمها المملكة في علاقتها بأمريكا والعالم. «الإعلام السنع» هو الذي يلتقط هذا اللون، ويحوّله من رقم في بيان مشترك إلى قصة وعي سياسي لدى الجمهور، وعي يدرك أن النجاح الحقيقي في واشنطن لم يكن فقط في توقيع عقود بمئات المليارات، بل في أن يخرج ولي العهد من البيت الأبيض وهو أقوى وأكثر شرعية، فيما تظل ورقة التطبيع مع إسرائيل في جيب الرياض، مشروطة بعدالة لم تتحقق بعد للفلسطينيين. برأيي، هذا هو الخبر الذي كان يستحق أن يتصدر شاشاتنا، قبل أي رقم آخر.