سلمان المشلحي
في محطات التاريخ، لا تُقاس الزيارات بمدتها ولا بجدول أعمالها، بل بما تتركه من أثرٍ في الوجدان، ومن رسائل تتجاوز حدود السياسة إلى عمق الشعور الوطني، هناك لحظات تشعر فيها الشعوب أن وطنها يقف في موضع الضوء، وأن قادتها يكتبون صفحة جديدة بثقة، وهذا تماماً ما رافق زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، زيارةٌ حملت روح دولةٍ تعرف طريقها، وقيادةٍ تدرك كيف تصنع حضورها، فبدا المشهد وكأن الرياض تتقدم إلى مركز العالم، فيما واشنطن تفتح ذراعيها احتفاءً واحتراماً.
مع ختام الزيارة، ظل صدى الاستقبال الباذخ يتردد في العالم، بعدما تحولت العاصمة الأميركية لأيامٍ إلى مسرح يُظهر ثقل المملكة ومكانتها، ويعيد ترسيخ موقعها كأقوى حليف لواشنطن من خارج الناتو، لم تكن زيارة عادية في مشاهدها ولا تقليدية في رسائلها، بل محطة سياسية كبرى أعادت رسم ملامح التحالفات الإقليمية والدولية.
فالزخم السياسي والإعلامي الذي رافق الزيارة، وتوقيع حزمة واسعة من الاتفاقيات الدفاعية والاقتصادية، إضافة إلى مخرجات «منتدى الاستثمار السعودي - الأميركي» الذي تجاوزت قيمته 270 مليار دولار، كلها دلائل على أن المملكة تدخل مرحلة متقدمة من الشراكات الدولية، تستند فيها إلى مصلحة الوطن العليا، وتعزيز أولويات رؤية 2030.
ولعل المشهد الأبرز كان في حضور سمو ولي العهد والرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ملتقى الاستثمار، حين أعلن الأخير أن الأمير محمد بن سلمان طلب منه التدخل بقوة في ملف السودان، كانت تلك اللحظة كاشفة لمعنى القيادة السعودية التي توازن بين مصالحها الاستراتيجية ومواقفها الإنسانية، فلا تتخلى عن أشقائها، ولا تترك ساحات الأزمات العربية بلا مبادرة أو مسؤولية.
وهنا يبرز السؤال: هل يدرك المشككون أن المملكة، وهي تبني تحالفاتها وتحمي مصالحها، لا تزال تحمل همّ الفلسطينيين والسودانيين وغيرهم من الأشقاء؟
أم سيستمر الغبن في التهامهم كلما شاهدوا نتائج زيارة تتناقض مع رهاناتهم الضيقة؟
لقد أثبتت الزيارة أن تغليب المصالح الوطنية حق مشروع، وأن بناء تحالف إستراتيجي ضخم كالتحالف السعودي الأميركي - بما يتضمنه من اتفاقيات دفاعية بما فيه صفقة (طائرات F-35) ليس موجهاً ضد أحد، بل هو خطوة في مشروع دولة تسعى إلى الاستقرار والتنمية لها ولمنطقتها.
إن استقبال واشنطن لولي العهد لم يكن مجرد مراسم رسمية، بل شهادة على مكانة المملكة في عالم يتغير، وعلى قيادة تعرف أين تضع قدمها، وكيف تصنع مستقبلها دون أن تتخلى عن قيمها الراسخة ودورها العربي الأصيل.
إنه عصر جديد يليق بدولة بحجم السعودية... وبقائد بحجم محمد بن سلمان.