منصور بن صالح العُمري
ما كان التقاعد يومًا انطفاءً... بل كان كاشفًا.
كاشفًا لطبائع الناس، ولحقيقة العلاقات، وللوجوه التي كانت تُشعل حولك ضوءًا مستعارًا.
فما إن يهدأ صرير المناصب، وتسقط عن كتفيك أعباء السلطة. حتى تتساقط من حولك ظلالٌ لطالما ظننتها أشجارًا وارفة.
رسائل كانت تهطل عليك كالغيث...
تصبح سماءً صافية لا غيمة فيها.
وأرقامٌ كانت تطرق هاتفك صباح مساء...
تصير أعجاز نخلٍ خاوية لا تُثمر ولا تهمس.
ومجالسُ كانت تفتح لك أبوابها...
تغدو كأنها لم ترَك يومًا.
ومع ذلك... لم يتغيّر قلبك.
بقي كما هو: رحبًا، نقيًا، واسع الخطى في دروب الوفاء.
ترفع يديك بالدعاء، فيمرّ من أسمائهم ما يُنعش ذاكرتك،ويُذكّرك بلحظة نجاح، أو وقفة إنسانية، أو كلمة طيبة.
فأنت تحفظ الجميل... لأنه خُلُقك لا لأن المنصب يُمليه عليك.
لكن الصورة ليست مظلمة بكل جوانبها.فبين كل تلك العلاقات التي انطفأت بزوال وهج الكرسي، يبقى - بحمد الله - نفرٌ قليل، أناسٌ لا يعرفون التلوّن، ولا يُقيمون مشاعرهم على كرسي المنصب، ولا تتبدّل قلوبهم بزوال جاهٍ أو تغيّر حال.
لأنهم جوهرٌ لا طلاء، معدنٌ لا يصدأ، قلوبٌ صافية كالنبع الأول.
يبقون إلى جوارك لأنك أنت... لا لأنك كنت.
ويأخذون مكانهم في حياتك لأنهم كانوا أوفياء في أيام العز...
وثابتين في أيام السكون.
أما الذين علّقوا مشاعرهم بالكرسي... فقد غادروا معه، وبقيتَ أنت ومعك الصفوة:
القلوب الأصيلة التي لا تصنعها المناصب، والعلاقات التي تبقى لأنها حقيقية... لا لأنها نافعة أو منتفعة.
وهذا أعظم ربح يقدّمه لك التقاعد:
لا يكشف لك الزيف وحده... بل يكشف لك النفائس أيضًا.
ولا يُسقط من حولك المزيفين... بل يُبقي حولك من يستحقون قلبك.