عبدالله إبراهيم الكعيد
يولد المولود البشري ومعه وعاؤه الفارغ من كل شيء، أعني الدماغ بكل أجزائه وتلافيفه. مخزن ذكريات فارغ بجانب خلو المخازن الأخرى من المعارف - المفاهيم - مهارات التفكير - حتى المشاعر في مراحل تكوّنها الأولى. يبدأ الرضيع في إدخال المعلومات الأساسية الأولى كالتعرف على وجه أمه التي كان على علاقة بها دون أن يراها وهو داخل رحمها. يُميز صوتها وحتى رائحتها وغير ذلك.
وكلما تقدم الإنسان في العمر تتمدد تبعاً لذلك مساحات تلك المخازن، ولكن ليس إلى ما لا نهاية، فلكل حيّز سعة لا يتوسع بعدها، كما في سعة ذاكرة الكمبيوتر حيث يمكن إلحاق أكثر من مساحة للذاكرة بواسطة أقراص خارجية. بالنسبة لذاكرة الإنسان الذي يسعى إلى توسيع محيط مخازنه المعرفية بكثرة اطلاعه وقراءاته وتجاربه في الحياة، بالإضافة إلى اطلاعه على ثقافات الشعوب التي يزور بلدانها بشعوب مختلفة وأماكن متعددة؛ تضيف إلى ذاكرته كماً كبيراً من الذكريات التي ستقبع في مخازنه العقلية. كل هذا سيجعل من الصعوبة على (البعض) استرجاع ذكرى أو معلومة كانت تُستعاد بسهولة قبل ذلك الازدحام.
المشكلة الحقيقية ونحن نعيش في زمن سرقت فيه منصات الشبكة العنكبوتية الأوقات لدرجة إدمان البعض على البحلقة في تلك الشاشات الصغيرة حتى وهم مستلقين على أسرة نومهم، أصبح سيل المعلومات الجارف أكبر من القدرة الطبيعية لاستيعاب الفرد؛ ما أدى (حسب وجهة نظري الشخصية وليست معلومة علمية) إلى اكتظاظ مخازن الذاكرة بالغث والسمين، وربما يجوز لي القول الكثير من (النفايات).
إذا أهمل أحدنا غربلة ما يتدفق إليه من معلومات على مدار الساعة وعرضها على ميزان العقل فسيتحول الدماغ إلى مكب لأفكار لم نطلبها بأنفسنا، بل تسللت إلينا كما تتسلل الرطوبة إلى جدار طيني مهمل.
صفوة القول: كلما صارت أدمغتنا مشغولة بما لا يخصنا ولا يدخل في دوائر اهتماماتنا وخصوصياتنا نصبح كمن يُكدّس في مخزن بيته أشياء تخص غيره. تغصّ الرؤوس بالنفايات حين لا يقوم أصحابها بممارسة (النظافة العقلية).