صالح الشادي
عندما التقى الملك عبدالعزيز آل سعود بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد «كوينسي» عام 1945، لم يكن اللقاء مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل كان تأسيساً لشراكة إستراتيجية ستشكِّل مسار الشرق الأوسط والعالم لعقود قادمة. في ذلك اللقاء التاريخي، تم وضع أساس علاقة تقوم على مبادئ واضحة: أمن الطاقة للعالم واستقرار المنطقة وحماية المصالح المشتركة.
منذ ذلك الحين، شهدت العلاقات الأمريكية السعودية تحولات كبرى حافظت على جوهرها الإستراتيجي.
في الخمسينيات، أصبحت السعودية مورداً مهماً للنفط للاقتصاد الأمريكي والعالمي. وفي السبعينيات، مع صدمات النفط، أثبتت الرياض قدرتها على لعب دور موازن في أسواق الطاقة العالمية. أما في التسعينيات، فشكلت حرب الخليج منعطفاً مهماً، حيث تعاون البلدان لتحرير الكويت ولمواجهة التوسع الإقليمي لبعض الدول ذات الأجندات الشاذة .
شكلت الاستثمارات العمود الفقري للعلاقة الاقتصادية بين البلدين. فمن العلاقة التقليدية القائمة على «النفط مقابل الأمن»، تطورت إلى شراكة استثمارية شاملة. الشركات الأمريكية العملاقة عملت لعقود في المملكة، بينما استثمر الصندوق السيادي السعودي مليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي عبر استثمارات في الشركات التكنولوجية والبنية التحتية.
ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، دخلت العلاقة الاستثمارية مرحلة جديدة. فمن خلال مشاريع «نيوم» و»القدية» و»البحر الأحمر»، أصبحت السعودية وجهة للاستثمارات الأمريكية في مجالات التكنولوجيا والترفيه والطاقة المتجددة.
تمثِّل الزيارة الأخيرة لولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة تتويجاً لمرحلة جديدة في العلاقات الثنائية. فقد جاءت هذه الزيارة في وقت حاسم، وأظهرت نضجاً في الرؤية السعودية للمصالح الوطنية. كما عبَّر ولي العهد عن هذه الفلسفة بوضوح عندما قال في البيت الأبيض للصحفيين: «لم نحضر لإرضاء أمريكا أو ترامب، لدينا مصالحنا». هذه العبارة التاريخية تعكس تحولاً جوهرياً في الدبلوماسية السعودية، من منطق الأقل تأثيراً إلى منطق التأثير الفاعل والشراكة القائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.
فقد تم توقيع اتفاقيات استثمارية ضخمة في مجالات التكنولوجيا والطاقة المتجدِّدة والذكاء الاصطناعي والفضاء، مما يؤكّد تحول العلاقة من شراكة تقليدية إلى تحالف مستقبلي يهدف إلى بناء اقتصاد ما بعد النفط.
ستعزِّز هذه العلاقات دور السعودية كقائد إقليمي وعالمي، وستمكّن الولايات المتحدة من الحفاظ على حضورها في منطقة حيوية. كما ستساهم في تحقيق استقرار إقليمي من خلال موازنة النفوذ في المنطقة ومكافحة التطرف.
على المستوى الاقتصادي، ستسرع التحول نحو اقتصاد المعرفة في السعودية، وستوفر للشركات الأمريكية فرصاً استثمارية غير مسبوقة. كما ستساهم في تنويع مصادر الدخل السعودي وبناء اقتصاد منتج ومستدام.
على المستوى الإستراتيجي، ستخلق تحالفاً تكنولوجياً بين البلدين يمكن أن يغير خريطة الابتكار العالمية، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.
العلاقات الأمريكية السعودية لم تعد مجرد علاقة بين مورد للطاقة ومستهلك، أو بين حليفين إستراتيجيين، بل أصبحت شراكة مصيرية تواجه معاً تحولات العصر. من لقاء الملك عبدالعزيز على ظهر السفينة «كوينسي» إلى زيارة ولي العهد الأخيرة، ظلت هذه العلاقة قادرة على تجاوز التحديات والتكيّف مع المتغيِّرات.
الاستثمار لم يعد مجرد تبادل للسلع والخدمات، بل أصبح استثماراً في المستقبل المشترك، وفي رفاهية وأمن الشعبين. هذه العلاقة الإستراتيجية، بكل تعقيداتها وتحدياتها، تبقى نموذجاً للدبلوماسية الواقعية القادرة على تجاوز الخلافات والبناء على نقاط الالتقاء، لتشكيل مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للجميع.