د. منصور الجريشي
شعر المحاورة أنس يأنس به متذوقو هذا النوع من الشعر، ومن أجله يقطع المتذوق مسافات بعيدة للاستماع إليه، والاستمتاع به، وهو حلاوة يدخل السرور على محبيه، فيتخلله مجموعة من المعاني التي يحاول المتذوق تحليلها، والوصول إلى المعنى الحقيقي الذي أراده الشاعر.
فشعر المحاورة رمز للتراث، ورثه الأحفاد عن الأجداد في كل عصر من العصور، حتى وصل إلينا في هذا العصر، ولا غرابة إذا قلت جازما بوجود متذوق للشعر في كل بيت يحبون أغراضه ويتغنون بها.
ومن المعروف أن شاعر هذا الفن يبتعد عن إيضاح المعنى المقصود حتى لو كان في قمة الغضب من زميله المقابل له في ميدان المحاورة، بل يأتي بمعنى (مدفون) يستحال أن يفهمه إلا شاعر متمرس، أو ناقد وصل إلى درجة شعرية متقدمة، أما غيرهم فقد يحلل هذا البيت الذي قاله الشاعر بعدة تحليلات ربما تصيب وأخرى تخيب، وهذا ما ميز شعر المحاورة عن غيره، ولعل بعض الشعراء الحاذقين قد يتهجم لفظيا على الشاعر ولكن لا تكون أبدا صريحة بل مغلفة بالمعنى الذي يستحال كشفه إلا من خلال ما ذكرنا سابقا، ثم تنتهي المحاورة الشعرية دون ضرر أو غضب من الشاعر المقابل، ولا ينتج عنها التلفظ بألفاظ نابية.
نعم، هذا ما كان عليه شعراؤنا الكرام من زمن بعيد، ويعرفه الجميع، ولا أذكر شاعرا تعرض لقبيلة أخرى بالسب أو الشتم أو الطعن بالنسب، حتى لو اشتدت المحاورة بينهما إلى درجة الغليان، فالشاعر لا يتجاوز حدوده. بل مع شاعر المقابل فقط، ولا يسب ولا يشتم قبيلة بأكملها، لانهم يعرفون أن القبيلة لا ذنب لها تقذف بسب هذا الشاعر الفاشل.
أما في هذه الأيام تطور شعر المحاورة وأصبح كحلبة مصارعة تدور رحاها، ويظن بعض الدخلاء على هذا الفن بأنه في حالة حرب لابد من الانتصار فيها حتى يصبح فارسا لا يشق له غبار، وتتناقله وسائل التواصل الاجتماعي مع كل فج ويكثر متابعوه ومحبوه، ولا يتأت له ذلك إلا من خلال التهجم على قبيلة الشاعر وقذفها، وإلصاق التهم الباطلة فيها، ليعلو صيته، ويحتل مكانة عظيمة، يشار إليه بالبنان، ويريد أن يدخل فكره في عقول الناس، ومن معه أنه الشاعر المناكف الشجاع الذي لا تخيفه المواقف، فما اطلقه هذا الشاعر من لسانه ربما يصير نقمة عليه لا تحمد عقباها، فتكرهه القبيلة التي تعدى عليها دون وجه حق، وربما يدرك قوله ذو جهالة أو صغير بالسن لا يعلم ما يتفوه به فيتحدث بما قاله ذلك الشاعر؛ فتحدث كارثة لا يمكن حلها.
أيها الشاعر الحبيب ليس شعر المحاورة بهذه الدناءة والكذب والتلفيق بل شعر جميل له محبوه الذين يحبون سماع معان جميلة يحاولون الوصول إلى حلها ومعرفة الكلمات المغلفة وسط البيت التي تكشف كامل معاني البيت الشعري. فالألغاز كثيرة التي تجعل الشاعر يلف حول نفسه، ويتأخر في الرد إلى دقائق حتى يتمكن من كشف هذا اللغز، وربما تنتهى السهرة وهو لم يصل إلى المعنى الحقيقي للبيت.
الشعراء في بلادنا كثر، وجلهم على درجة عالية من الأخلاق والاحترام، ولكن هناك من الشعراء من هم دخلاء على هذا الفن يحاولون بكل ما يملكون من شاعرية -ليكثر متابعوهم وتزداد مشاهداتهم- يقوم بالتفرقة بين القبائل، ويتخذ العنصرية بينهم ويلصق بالقبيلة ما ليس فيها متخذا أسلوب يرفع من قبيلته وشأنها، ويهبط بالقبائل الأخرى دون ذنب، فالقبائل كلها سواسية في ظل قيادتنا الحكيمة وفي أمن وأمان وعدل وهم بالمرصاد لكل من تسول له نفسه بزعزعة أمن هذا الوطن ومواطنيه وتنبذ العنصرية بكافة أنواعها، وأشكالها وتحيل لمن يقوم بذلك إلى الجهات القضائية لردعه ويأخذ جزاءه المستحق، حتى لا يتكرر ذلك مستقبلا، ويكون عبرة لغيره.
فالنفوس المريضة من الشعراء الذين امتهنوا السباب والشتائم مهنة لهم في فن المحاورة؛ ليعلو صيتهم، وأصبح يخاف شرهم والتأثير على النشء ويحذو حذوهم لذلك أقترح الآتي:
- يمنع على شاعر شعر المحاورة ممارسة المحاورة إلا بعد الحصول على رخصة شعرية إعلامية صادرة من وزارة الثقافة ووزارة الإعلام ومصرح له يمارس هذا الفن.
- أن توضع شروط صارمة لمن يريد الحصول على رخصة مزاولة مهنة شعر المحاورة.
- يؤخذ على الشاعر قرار خطي قبل إصدار الرخصة بعدم التطاول على الآخرين أو المساس بالقيم والتقاليد أو الأعراف أو الأعراض بالسب أو الشتم.
- سحب رخصة مزاولة المهنة الشعرية من الشاعر في حالة تطاوله على أي قبيلة أو عائلة بالسب والشتم، وتحريك الدعوى القضائية ضده.
- صاحب الحفل الذي يحضر شاعر غير مصرح له، أو سبق إيقافه عن مزاولة المهنة، يحاسب على ذلك ويغرم.
- الغرامة لمن يمارس شعر المحاورة دون الحصول على رخصة مزاولة مهنة شعر المحاورة لضبط هذا الفن المحبب للجماهير.
- التصريح لمكاتب تتولى حجز الشعراء والتنسيق معهم، شريطة أن يكون الشاعر مصرحا له بهذه المهنة.
- تشكيل لجان ممن لديهم القدرة على فهم، وتحليل ما يدور في ساحة المحاورة الشعرية هدفها استقبال شكاوي المتضررين أو المبلغين وفحص ما يردها، وإحالة المخالفين مع مقاطع الفيديو الخاصة بهم لجهات الاختصاص لاتخاذ ما يلزم حيالهم.
أما أنت أخي المتذوق لهذا الفن الأصيل فأتوجه إليك بمجموعة نصائح، وهي:
1- المواطن هو رجل الأمن الأول، فعندما تشاهد شاعرا أو غيره في مواقع التواصل يحاول تفريقنا وتمزيق لحمتنا الوطنية، ويتهجم على قبائلنا وعوائلنا؛ قم بتوثيق هذا العمل وابعثه لجهات الاختصاص لتحريك الدعوى القضائية ضده، وإياك ثم إياك من نشره على مواقع التواصل الاجتماعي.
2- المتذوق لهذا الفن من الشعر عند حضورك، وسماعك سبا لقبيلتك أو لعائلتك، فامنع نفسك من التهور، ولا تعتدِ على هذا الشاعر، فيتوجب عليك إبلاغ الجهات ذات الاختصاص مع توثيق ما بدر منه، والابتعاد عن نشره على مواقع التواصل الاجتماعي فقط يكون للاستدلال به أمام الجهات المختصة.
3- الجمهور الحاضر لهذه المحاورة: احذروا من نشر المقاطع التي فيها تهجم على القبائل أو العوائل التي لا تمت لك بصلة؛ واجعل هذه المقاطع تموت في مهدها، فأنت مسؤول عما تنشر، فاعلم أن هناك عيونا ترى ولن تسكت عن محاسبتك، فلا تعرض نفسك للمخاطرة.
همسة:
أخي الشاعر أنظمتنا ومجتمعنا وعاداتنا وتقاليدنا تمنعنا من التعرض لقبائلنا بالسب أو الشتم، فكل كلمة تتفوه بها محاسب عليها في الدنيا والآخرة، ولا تغرك الشعارات الزائفة وبعض الجماهير الذين يصفقون لك، فكل إنسان مسؤول عما يبدر منه، فأبناء القبائل والعوائل يرون بأنفسهم مثل ما ترى في نفسك وقبيلتك، فالتزم الأخلاق والآداب الحميدة التي تربينا عليها في بلادنا الحبيبة -حماها الله.