هناء الحمراني
حملت زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة إشارات إستراتيجية تدعم التحولات تعيشها المملكة العربية السعودية في إطار رؤية المملكة 2030، وجاءت الزيارة في توقيت يشهد تحولات اقتصادية وجيوسياسية عالمية.
ومنذ اللحظة الأولى، برز البعد الثقافي السعودي في المشهد العام للزيارة، فقد ظهر سمو ولي العهد والوفد الرسمي بالزي السعودي التقليدي، في دلالة على رسوخ الهوية الوطنية وقدرتها على الظهور بثقة في أرفع السياقات الدولية. كما لفتت الإشارة الثقافية العفوية التي تمثلت في استخدام وزير الطاقة لمفردة «جريش» أنظار المراقبين، وذلك عقب توقيع اتفاقية التعاون في مجال الطاقة المدنية النووية، واتفاقية إطار التعاون في سلاسل الإمداد بين المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة الأمريكية، في تعبير عن حضور ثقافي ثابت يعزز من القوة الناعمة للمملكة. ويأتي ما سبق ضمن توجه المملكة في تعزيز حضورها الذي يستند على الأصالة والانفتاح في آن واحد.
وفي قطاع الطاقة، حافظت المملكة على منهج إستراتيجي يوازن بين دورها الدولي في أسواق النفط التقليدية وتوجهها نحو الطاقة النظيفة والتقنيات المستقبلية، بما ينسق مع برامج الاستدامة والرؤية الوطنية طويلة المدى.
أما في التقنية، فقد أبرزت الزيارة توجها نحو بناء اقتصاد معرفي عبر شراكات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والبحث العلمي. وتمثل هذه الجهود رافدًا مهما لدعم برنامج تنمية القدرات البشرية والتحول الرقمي، وتعزيز وضوح موقع المملكة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي البعد السياسي، برز الملف السوداني، حيث أكدت المملكة التزامها بدعم استقرار السودان باعتباره دولة شقيقة يرتبط أمنها بأمن المنطقة. وقد قادت المملكة، بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودول الإقليم جهودًا دبلوماسية لدفع مسار التهدئة وتهيئة العودة إلى الحوار. هذا الدور يعكس مكانة السعودية كقوة إقليمية مؤثرة تمتلك القدرة على جمع الأطراف وصباغة حلول تعزز الاستقرار الإقليمي وتدعم رؤيتها للتنمية والأمن في المنطقة.
وفي المجال التعليمي، قدمت الزيارة دفعة قوية للشراكة الأكاديمية بين المملكة والولايات المتحدة عبر مبادرات تشمل تبادل الطلاب والباحثين وتطوير البرامج البحثية المشتركة، مما ينسجم مع متطلبات اقتصاد المعرفة ومستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية.
وتنسق هذه التحولات مع ما أشار إليه تقرير البنك الدولي وظائف (2025) حول الحاجة المتزايدة للمهارات التقنية والهندسية والرقمية، مما يجعل منظومة التعليم والتدريب عنصرًا أساسيا في إعداد رأس مال بشري قادر على قيادة اقتصاد المستقبل.
وبهذا التكامل بين الثقافة والاقتصاد والسياسة والتعليم تواصل المملكة تعزيز حضورها العالمي وفق رؤية 2030، وتثبيت نموذج متوازن يجمع بين الهوية الوطنية والقدرات الاقتصادية الصاعدة، في مسار يؤكد على مكانتها وأدوارها الإقليمية والدولية.