د. هدى منصور
أظهرت التحركات الأخيرة في أسواق الذهب العالمية تراجعًا حادًا غير مألوف، أثار موجةً من التساؤلات حول جدوى المعدن النفيس كوسيلة تحوط فعّالة أمام تقلبات الأسهم وارتفاع معدلات التضخم.
غير أن التقييم العميق لهذه التطورات يبيّن أن ما حدث لا يمثل فشلًا في وظيفة الذهب كأصل دفاعي، بل يؤكد طبيعته الدورية المعقدة التي تتطلب من المستثمرين نظرة أطول أمدًا وصبرًا استثماريًا يتجاوز ردود الفعل اللحظية؛ فالذهب تاريخيًا لا يتحرك بمعزل عن الأسواق المالية، بل يظهر ارتباطًا زمنيًا متغيرًا بها. إذ تشير الدراسات التاريخية إلى أن فترات الانكماش المالي الحاد تشهد في البداية انخفاضًا متوازيًا في كلٍّ من الأسهم والذهب، نتيجة التسييل الجماعي للأصول السائلة لتغطية خسائر الأسواق أو تلبية طلبات الهامش. ثم، ومع استقرار التوقعات وعودة الثقة تدريجيًا، يبدأ الذهب في الانفصال عن مسار الأسهم متجهًا إلى الارتفاع بوصفه أصلًا احتياطيًا يحافظ على القيمة.
هذه الديناميكية تجعل من التوقيت الزمني عنصرًا حاسمًا في استراتيجيات التحوط، حيث لا تظهر فاعلية الذهب إلا بعد مرور مرحلة «التصحيح المزدوج» التي تنطوي عادةً على موجة بيع أولية تشمل جميع فئات الأصول.
وتُظهر البيانات منذ عام 2000 أن فترات الركود المالي العميقة مثل الأزمة المالية العالمية في 2008 أو اضطرابات السوق في عام 2022 ترافقت مع هذه الأنماط نفسها: تراجع أولي في أسعار الذهب، يتبعه ارتفاع يفوق عائدات الأسهم بنحو 15 إلى 20 نسبة مئوية في مرحلة التعافي. ويدعم هذا النمط السلوكي تفسير الاقتصاد السلوكي القائل إن المستثمرين في المراحل الأولى للأزمات يغلّبون دوافع السيولة على المنطق التحوطي، فيبيعون الأصول الأكثر قابلية للتداول حتى وإن كانت ملاذًا آمنًا.
كما أن دور البنوك المركزية في تشكيل الاتجاهات طويلة الأجل لا يمكن إغفاله، إذ تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن المشتريات الرسمية من الذهب بلغت في عام 2024 أعلى مستوياتها منذ ثلاثة عقود، بقيادة بنوك مركزية في الصين وروسيا والهند وتركيا، التي تسعى لتقليص اعتمادها على الدولار في ظل تزايد التوترات الجيوسياسية والعقوبات المالية. هذا التحول البنيوي في احتياطيات العملات الصعبة يدعم الطلب المستدام على الذهب بوصفه أصلًا سياديًا محايدًا سياسيًا ونقديًا، مما يحدّ من تقلباته على المدى البعيد.
من الناحية النظرية، يمكن تفسير العلاقة بين الذهب والأسهم من خلال نموذج «الاستبدال بين الأصول» (Asset Substitution Model)، حيث يتحدد وزن الذهب في المحافظ الاستثمارية بمستوى العائد الحقيقي على الأصول المالية الأخرى؛ فكلما ارتفعت أسعار الفائدة الحقيقية أو تحسنت التوقعات الاقتصادية، انخفض الطلب النسبي على الذهب لغياب العائد الدوري منه.
أما حين تتزايد معدلات التضخم غير المتوقعة أو يتسع العجز المالي، فيرتفع الميل نحو الذهب بصفته مخزنًا للقيمة وأداة للتحوط ضد فقدان القوة الشرائية.
وفي السياق السعودي والخليجي، يكتسب هذا التحليل بعدًا إضافيًا؛ فالسياسات المالية في المنطقة، رغم صلابتها واحتياطاتها الضخمة، تبقى مرتبطة جزئيًا بتقلبات أسعار الطاقة، ما يجعل من التنويع في الأصول الدولية ضرورة استراتيجية لإدارة الدورات المالية.
إدراج الذهب ضمن المحافظ الاستثمارية طويلة الأجل لصناديق الثروة السيادية أو حتى ضمن أدوات الادخار للأفراد يشكّل آلية طبيعية لتحقيق التوازن بين العوائد والمخاطر، خصوصًا في ظل التحول العالمي نحو أسعار فائدة مرتفعة وتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني، العاملين اللذين يؤثران على أسعار النفط وسلوك رؤوس الأموال العالمية على حد سواء.
الجدير بالذكر أن ارتفاع العوائد الأمريكية الحقيقية منذ عام 2023 قلّل من جاذبية الذهب مؤقتًا، إلا أن هذا الأثر يميل إلى الانحسار مع اقتراب دورة التيسير النقدي القادمة المتوقعة في عام 2026، بحسب تقديرات صندوق النقد والبنك الدولي. ومع تزايد التوجه نحو العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) والبحث عن أدوات نقدية بديلة، يُتوقع أن يعود الذهب إلى لعب دور محوري في إعادة توازن المحافظ الاستثمارية العالمية.
في هذا الإطار، يمكن القول إن الذهب لا ينبغي النظر إليه كوسيلة لتحقيق أرباح سريعة، بل كـأصل تحوّط استراتيجي يعمل ببطء لكن بثبات، ويتطلّب أفقًا استثماريًا يتجاوز الدورة المالية القصيرة. فعائده الحقيقي لا يُقاس بالمكاسب اليومية بل بالخسائر التي جرى تجنّبها أثناء الانكماشات الكبرى. لذا، فإن فاعلية الذهب تعتمد على موقعه داخل محفظة متوازنة، لا على عزله كأداة استثمار مستقلة.
وتشير المؤشرات الراهنة إلى أن الأسواق العالمية تمر بمرحلة إعادة تسعير واسعة للأصول، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتنامي الدين العام، وتباين السياسات النقدية بين الاقتصادات الكبرى. ويُظهر الرسم البياني رقم (1) العلاقة المتشابكة بين تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتراجع مؤشر الدولار من جهة، وارتفاع أسعار الذهب من جهة أخرى، حيث يعيد المستثمرون توزيع محافظهم نحو الأصول الآمنة كلما ارتفع منسوب القلق في الأسواق.وفي مثل هذه البيئة، لا يُنظر إلى الذهب كملاذ مؤقت فحسب، بل كخيار عقلاني ضمن استراتيجيات التحوط الكلية التي توازن بين المخاطر النظامية ومخاطر السوق.
أما بالنسبة للمستثمر السعودي، فالتحدي لا يكمن في توقيت الشراء أو البيع، بل في القدرة على الثبات والاستمرار خلال الموجات المتقلبة، إدراكًا بأن عامل الزمن هو ما يحوّل الذهب من أصل جامد إلى أداة ذكية لإدارة الثروة على المدى الطويل.
ومن منظور التحليل الفني والزمني، تُظهر الرسوم البيانية التالية أن دورة التشديد النقدي الأميركي التي انطلقت في عام 2022 كانت لحظة فاصلة في مسار الذهب. فمع ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، شهد المعدن الأصفر تراجعًا مؤقتًا، قبل أن يستعيد زخمه تدريجيًا مع دخول السوق في مرحلة ترقّب لتخفيف السياسة النقدية. ويُبرز الرسم البياني رقم (2) بوضوح هذا الارتباط العكسي بين العائد على السندات الأميركية وأسعار الذهب؛ فعندما تبدأ العوائد الحقيقية في الانخفاض أو التحوّل إلى السالب، تزداد جاذبية الذهب بوصفه أصلًا خاليًا من العائد لكنه محصّن من التضخم والمخاطر النظامية.
وتشير تحليلات مجلس الذهب العالمي (WGC) إلى أن سعر الذهب يتحرّك تحت تأثير عاملين رئيسيين: تكلفة الفرصة البديلة المتمثلة في عوائد السندات، وموجات الطلب المتنامية من جانب المستثمرين والبنوك المركزية. وعند بلوغ العوائد الحقيقية مستويات منخفضة - كما حدث في الربع الأول من عام 2025 - تتسارع عادةً موجة الانتعاش في أسعار الذهب، وهو ما تعكسه الاتجاهات الموضّحة في الرسم البياني.
ومع اتساع التوقعات بأن تدخل الاقتصادات الكبرى دورة تيسير نقدي تدريجية خلال عامي 2026 و2027، يبدو أن الذهب يستعد لمرحلة جديدة من إعادة التقييم. فمع كل إشارة من الفيدرالي الأميركي أو البنك المركزي الأوروبي إلى خفض الفائدة، تتجدّد موجات الشراء المؤسسي من الصناديق السيادية والبنوك المركزية التي تسعى إلى تنويع احتياطاتها وتقليص تعرضها للدولار.
وتشير الاتجاهات التاريخية إلى أن تراجع الفائدة الحقيقية دون 1 % غالبًا ما يمثّل نقطة انعطاف صعودية قوية للذهب، خاصة في ظل استمرار الضبابية الجيوسياسية وتباطؤ النمو العالمي. وفي هذا السياق، قد يتحوّل الذهب في العامين المقبلين من «ملاذ آمن» إلى ركيزة أساسية في محافظ التحوّط الكلي، ليس بوصفه استثمارًا للمضاربة قصيرة الأجل، بل كأداة استراتيجية لحماية القيمة الحقيقية للأصول في بيئة تتّسم بتقلّب السياسات وارتفاع الديون وتغيّر موازين القوى النقدية العالمية.
في الختام، يمكن القول إن تحليل سعر الذهب خلال العام 2025 يكشف عن تحوّل بنيوي أكثر منه دوراً تكميلياً مؤقتاً؛ فالذهب أصبح أداة محورية في إدارة المخاطر ضمن محفظة الأصول، لا مجرد بديل ثانوي للسندات أو الأسهم. ومع مراعاة وضع المملكة العربية السعودية كاقتصاد معتمِد على النفط، فإن الصور البيانية التي تربط بين انخفاض الإيرادات النفطية، ارتفاع المخاطر الخارجية، وتنامي مشتريات الاحتياطي من الذهب تجعل من المعدن أداة ذات جدوى استراتيجية للتحوط طويل الأجل. وبينما يستمر المشهد العالمي في التوتر والغموض - أيضاً بسبب التغيّرات في سلوك البنوك المركزية، وبيئة الفائدة الحقيقية المنخفضة، والمخاوف من النمو المتباطئ - فإن الرسوم البيانية للذهب لا تشير إلى ذروة مؤقتة فحسب، بل إلى مرحلة إعادة تسعير طويلة الأجل قد تستمرّ لسنوات؛ ومن ثم فإن اعتماد الذهب كجزء ثابت من استراتيجيات المحافظ السعودية والخليجية ليس مجرّد خيار تكميلي بل ضرورة متجدّدة.