عبود بن علي ال زاحم
مع تسارع التحديات وتعقّد المهام وتزايد الضغوط على الإدارات والقطاعات، أصبح من الضروري إعادة فهم مفهوم العلاقة بين الموظف ومديره. كثير من الموظفين يربطون بين الاحترام وكون المدير لطيفًا أو مرنًا في تعاملاته، لكن الحقيقة المهنية أعمق من ذلك، فالاحترام قيمة مستقلة عن الأسلوب، وهو انعكاس للنضج وامتلاك القدرة على رؤية الموقف من زاوية أوسع.
احترام المدير حين يكون قاسيًا أو حادًا في توجيهاته ليس ضعفًا ولا تنازلًا، بل هو وعي مهني يميّز الموظف القادر على التقدم عن الموظف العالق في ردود الأفعال الآنية.
القسوة المهنية التي نراها في بعض القيادات لا تأتي غالبًا من رغبة في التضييق، بل من إحساس عميق بالمسؤولية، ومن رغبة في حماية المخرجات، والرفع من مستوى الأداء، ومنع الأخطاء قبل وقوعها. من يجلس على الكرسي القيادي يرى ما لا يراه غيره: يرى المخاطر التي قد لا ينتبه لها الفريق، ويرى الصورة الكبيرة التي قد تغيب عن الموظف الغارق في تفاصيل مهمته. ولذلك، قد يلجأ القائد إلى التوجيهات الحازمة، أو اللهجة المباشرة، أو القرارات السريعة، وكلها قد تُفهم على أنها قسوة، لكنها في حقيقتها محاولة لضبط الإيقاع وضمان استمرارية الجودة.
الموظف الذي يفهم هذه الحقيقة يتعلم فصل الأسلوب عن الرسالة. قد تكون النبرة قاسية، ولكن المضمون مهم، وقد تكون الجملة مباشرة، ولكن الهدف منها تصحيح مسار أو منع خطأ أكبر. هنا يظهر الفرق بين الموظف الناضج والموظف الذي يتعامل بعاطفته فقط. الناضج لا يسمح للحظة أن تحدد سلوكه، بل يفهم أن المدير ليس خصمًا شخصيًا بل شريكًا مهنيًا ومرجعًا إداريًا له دور أساسي في تشكيل مساره الوظيفي. ولهذا، فإن احترام المدير في المواقف الصعبة هو في الواقع احترام للعمل نفسه، للمؤسسة، للمسؤوليات، وللمستقبل الذي يسعى الموظف لبنائه.
ومن التجارب المتكررة في مؤسسات عديدة، أن المديرين غالبًا ما يمنحون الفرص الكبرى، والترشيحات المهمة، والأدوار القيادية للموظفين الذين تعاملوا معهم باحترام في أصعب لحظاتهم. ليس لأنهم يريدون مكافأة الاحترام بحد ذاته، بل لأن الاحترام دليل على اتزان داخلي وقدرة على تحمل المسؤوليات، وعلى أن هذا الموظف قادر على العمل تحت الضغط دون أن ينهار أو يفتعل صراعات جانبية. فالمدير يبحث عن شخص يستطيع الاعتماد عليه، وشخص يحافظ على ثباته حين يحتدم العمل، وشخص لا يخلط بين المهني والشخصي. وهذا الشخص عادة هو أكثر من يحافظ على لغة الاحترام، حتى لو بدا الأسلوب القيادي صعبًا.
ويروى عن أحد القادة قوله: «الناس تتحدث عن قسوتي… لكنهم لا يرون الخطر الذي أراه، ولا يشعرون بثقل الأمانة التي أحملها.» مثل هذه الجملة تلخص جزءًا كبيرًا من الحقيقة التي يغفل عنها الكثير. الوظيفة القيادية ليست مجرد لقب أو مكتب، بل مسؤولية ثقيلة أحيانًا تفرض على القائد أن يكون صارمًا، دقيقًا، غير متساهل، وأن يتصرف بسرعة قد لا يفهمها الفريق في نفس اللحظة. وفي جانب آخر، قد يخطئ القائد في نبرة أو توقيت أو رد فعل -فهو بشر قبل كل شيء- لكن الموظف الذكي هو الذي لا يجعل من خطأ عابر حاجزًا دائمًا بينه وبين الاحترام.
وفي قصة واقعية تلخص المعنى، كان هناك موظف شاب يعمل تحت إدارة قائد صريح وشديد في ملاحظاته. كان هذا الموظف يتلقى النقد القاسي بأسلوب هادئ، ويكتفي بالاستماع والتدوين والتطوير دون اعتراض أو حساسية. وبعد سنوات قليلة، عندما أرادت الإدارة إطلاق مشروع استراتيجي حساس، تم اختيار هذا الموظف تحديدًا لقيادة المشروع. سأل الموظف مديره: «لماذا أنا دون غيري؟» فأجاب القائد: «لأنك كنت تحترم دائمًا، ومن يحترم يستطيع أن يقود.» هذه القصة ليست استثناءً؛ إنها مثال متكرر في بيئات العمل. الاحترام سلوك لا يظهر فقط في اللحظات السهلة، بل يُقاس بشكل أوضح في لحظات الضغط. ومن يحافظ عليه، يبني لنفسه رصيدًا لا يُشترى ولا يُمنح بسهولة.
ومن منظور مهني بحت، فإن احترام المدير لا يعني إلغاء الشخصية أو فقدان القدرة على إبداء الرأي، بل يعني استخدام لغة هادئة، واعتماد أسلوب مهني، واختيار الوقت المناسب للحوار، والتعبير بطريقة راقية تحفظ العلاقة المهنية. كما يعني إدراك أن المدير مهما كان صارمًا، فهو ليس عدوًا للموظف، بل مسؤول عن نجاحه أولًا وعن نجاح القطاع ككل ثانيًا.
وعندما تفصل بين الأسلوب والمحتوى، سترى أن كثيرًا من الملاحظات القاسية التي تلقيتها عبر السنوات كانت سببًا مباشرًا في نضجك، وتحسين أدائك، ووصولك إلى مستويات أعلى من المهنية.
وحين نفهم أن الاحترام هو قيمة لا ترتبط بنبرة المدير، بل بوعي الموظف، سنرى أن احترام المدير ليس مجرد واجب وظيفي، بل استراتيجية مهنية طويلة المدى. فالمستقبل لا يُبنى بالمهارات فقط، بل بالسلوك، والنضج، والاتزان، والقدرة على التعامل مع اختلاف الأساليب القيادية. الموظف الذي يحترم مديره يثبت أنه قادر على احترام فريقه مستقبلًا حين يصبح قائدًا، وأنه يمتلك القدرة على القيادة الحكيمة التي تتجاوز اللحظة وتتطلع إلى الأثر. ولذلك، فإن احترام المدير حين يقسو ليس فقط سلوكًا راقيًا، بل خطوة ذكية لبناء مسار مهني مستقر وقوي.
وفي نهاية المطاف، الاحترام ليس تبعية.. بل قوة داخلية. وهو لا يُظهر ضعف الموظف، بل يثبت نضجه. والموظف الذي يحترم مديره يسهل احترامه من الجميع: زملائه، فرق العمل، القيادات العليا، وكل من يتعامل معه. فالاحترام يفتح الأبواب، ويمنح الثقة، ويكشف معدن الشخص الحقيقي. أما التعامل بردود الفعل أو الحساسية الزائدة أو تفسيرات النوايا، فهي أمور تحجب الفرص وتقطع مسار التقدم. لذلك، فإن الرسالة الأعمق هي: احترم.. تُحترم. احترم مديرك، احترامًا للعمل، للمؤسسة، للمستقبل، ولنفسك أولًا. فمن عرف قيمة الاحترام، عرف الطريق إلى القيادة قبل أن يجلس على كرسيها.