يزن حبيبي
الحلم هو الجزء الأكثر غموضًا في تكوين الإنسان، المساحة التي تمنحه قدرةً على تخيّل عالمٍ لا يخضع للمنطق أو الواقع.
منذ فجر التاريخ، كانت الأحلام وقود الحضارات، بها شُيّدت المدن، واكتُشفت القارات، وتبدّلت المفاهيم، غير أنّ العالم المعاصر يشهد تراجعًا لافتًا في قدرة البشر على الحلم، بعد أن أصبحت الحياة محكومة بالأرقام والبرامج والمعادلات الدقيقة.
لم تعد الفكرة تخرج من خيالٍ واسع، من معادلةٍ جاهزة تحدّد ما هو ممكن وما هو مؤجل. هكذا تغيّرت طبيعة الحلم من مساحة حرّة إلى مشروعٍ يمكن حساب جدواه.
لم يعد الإنسان يتأمل ما وراء الأفق، يبحث عمّا يمكن تحقيقه ضمن الخطة الموضوعة مسبقًا.
ومع هذا التحوّل، يتناقص الإيمان بالمعجزات الصغيرة التي كانت تمنح الوجود طاقته الأولى.
المدن الحديثة تعلّم الإنسان أن يعيش وفق مؤشرات الأداء، وأن يقيس أحلامه كما يقيس نفقاته.
أصبح الحلم مرهونًا بالقدرة على الإنجاز، لا بالرغبة في الاكتشاف. فالشاب الذي كان يتمنى بناء عالمٍ جديد، أصبح يحلم بترقية، والطفل الذي كان يرفع رأسه إلى السماء يبحث عن نجمٍ مفقود، أصبح يرفع هاتفه ليلتقط صورةً عابرة.
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، فالعالم الرقمي أوجد واقعًا يختصر المسافات ويُضعف التأمل. الحلم يحتاج إلى فراغٍ داخلي، إلى وقتٍ يتيح للخيال أن ينمو دون رقابةٍ من منطق السوق أو ضغط الإنتاج، حين يصبح الإنسان محاصرًا بالمواعيد والرسائل والتنبيهات يخسر ذلك الصوت الداخلي الذي كان يُرشده إلى الحلم.
ما تبقّى من الحلم الإنساني هو بقايا دهشةٍ لم تُطفأ بعد، تظهر في لحظاتٍ نادرة حين يلتفت الفرد إلى ذاته.
هناك في المسافة بين الواقع والرغبة، يعيش الحلم بصمته القديم، يذكّر الإنسان بأن المعنى لا يُقاس بالنتائج، وأن الخيال يظل أصدق من الحسابات مهما تغيّر وجه العالم.