د. الجوهرة بنت فهد الزامل
في زمن تتسارع فيه التحولات حتى تكاد تسبق إدراك الإنسان، يصبح السؤال عن كيفية التعامل مع المستقبل أكثر إلحاحًا من السؤال عن شكل هذا المستقبل ذاته.
لم يعد المستقبل مرحلة قادمة على مهل، بل أصبح حاضرًا يتشكّل في كل لحظة، ويفرض على الإنسان أن يتعامل معه بوعي جديد ورؤية مختلفة. فالتغيرات لم تعد تدريجية كما كانت، بل أصبحت فجائية، متشابكة، ومتعددة الأبعاد.
من هنا تنبع أهمية السؤال: هل نواكب المستقبل فعلًا، أم أننا ننجرف معه دون وعي؟
كلمة «مواكبة» كثيرًا ما تُستخدم في سياق اللحاق بالتطور، لكنها في حقيقتها أعمق من ذلك بكثير. فالمواكبة لا تعني فقط التأقلم أو التكيف، بل تعني الوعي بطبيعة التحولات واتجاهاتها، والقدرة على توجيهها بما يخدم الإنسان والمجتمع.
إن من يكتفي بالتكيف يظل تابعًا للظروف، بينما من يملك الوعي الإستراتيجي يستطيع أن يحوّل التغيير إلى فرصة، والمجهول إلى مسار يمكن التحكم فيه. العالم اليوم لا يحتاج إلى من يتنبأ بالمستقبل، بل إلى من يفهمه ويُعيد صياغته.
فالتنبؤ مجرد تخمين، أما المواكبة الواعية فهي بناء رؤية متكاملة تستند إلى تحليل الواقع واستشراف ما بعده.
فالفرق بين من يراقب الموج ومن يصنع الميناء هو الفرق بين التنبؤ والمواكبة الواعية. التقنية مهما بلغت من تقدم لا تصنع مستقبلًا بمفردها، بل الإنسان هو الذي يمنحها الاتجاه والمعنى والغاية.
نحن نعيش اليوم ثورة رابعة متعددة الأوجه: رقمية، معرفية، وبيئية. الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والعمل عن بُعد، والبيانات الضخمة، والاقتصاد الأخضر - كلها ليست مجرد مصطلحات تقنية، بل قوى إعادة تشكيل للحياة الاجتماعية والاقتصادية والإستراتيجية. وتُعزز هذه التحولات الضغط على سوق العمل العالمي، حيث يتوقع أن يتم إزاحة 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030، مقابل إنشاء 170 مليون وظيفة جديدة، مما يؤدي إلى صافي زيادة قدرها 78 مليون وظيفة، مع تغيّر 39% من المهارات الأساسية المطلوبة.
هذه الأرقام تبرز أن الثورة الرابعة ليست مجرد تقدم تقني، بل إعادة هيكلة اجتماعية واقتصادية تتطلب استجابة جماعية واسعة النطاق لضمان توزيع الفرص بشكل أكثر عدالة.
وهذا الاضطراب في شكل الوظائف لا يعني اختفاء الفرص، بل إعادة تعريف المهارات اللازمة لمستقبل العمل.
وقد انتقلت المملكة من موقع المتلقّي للتقنيات إلى موقع المُنتج للفرص، ومن موقع التفاعل مع التحولات إلى موقع التأثير فيها.
المشاريع الكبرى ليست مجرد مشاريع عمرانية، بل مختبرات مستقبلية تختبر فيها المملكة أنماط الحياة والعمل والتعليم في العالم القادم، بينما المبادرات الرقمية مثل «السعودية الرقمية» و»الذكاء الاصطناعي الوطني» و»سدايا» تعكس انتقال المملكة من مرحلة التبني إلى مرحلة الريادة.
وفي هذا الإطار، تأتي الشراكات الدولية بوصفها رافدًا أساسيًا في بناء مستقبلٍ تشاركي تتداخل فيه المصالح وتتقاطع فيه طموحات الدول الصاعدة. وتكتسب زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – إلى الولايات المتحدة في نوفمبر 2025 بُعدًا يتجاوز الدبلوماسية التقليدية؛ فهي تمثل لحظة مفصلية تكشف ملامح الدور الجديد الذي تتجه المملكة لقيادته في صناعة المستقبل. الملفات التي حملتها الزيارة - من الاستثمارات الإستراتيجية، إلى التقنيات المتقدمة، إلى الطاقة المستدامة، وحتى التعاون الدفاعي وتقنيات الطائرات المتقدمة مثل صفقة F-35 - لم تُطرح بوصفها بنود تعاون عابر، بل باعتبارها أدوات لبناء واقع عالمي جديد تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، ويتقاطع فيه الأمن التقني مع النمو المستقبلي.
الزيارة تؤكد انتقال المملكة من مرحلة مواكبة العالم إلى مرحلة التأثير فيه، حيث تصبح صانعة للاتجاهات لا متلقية لها.
الأرقام والصفقات الكبرى هي مؤشر على ثقل المملكة الاقتصادي والاستثماري، لكنها أيضًا أدوات لإعادة صياغة موقع المملكة في النظام الدولي.
الزيارة تعكس روح رؤية 2030، حيث المستقبل ليس مشروعًا داخليًا فقط، بل منصة لإعادة تشكيل العلاقات الدولية بما ينسجم مع أهداف المملكة في التعليم، التقنية، الطاقة المستدامة، والدور الإنساني.
ومن هذا الاتساع في دائرة المستقبل - من المحلي إلى العالمي - يتضح أن أي نهضة مستقبلية لا تكتمل دون أن تتأسس على بعدٍ إنساني عميق، فالزيارة نموذج على قدرة المملكة على دمج التنمية الاقتصادية، التقنية، الدفاعية، والبعد الإنساني والاجتماعي في إستراتيجية واحدة متكاملة.
إن مواكبة المستقبل لا تُبنى بالسياسات فقط، بل تبدأ من الوعي الفردي. حين يدرك كل فرد أن التطور لا ينتظر أحدًا، وأن التعلم والتجديد والمرونة هي مفاتيح البقاء، يتحول المجتمع كله إلى منظومة قادرة على التقدم المستمر.
وإن مواكبة المستقبل ليست سباقًا مع الزمن، بل شراكة مع الزمن في صناعة الوعي والاتجاه. هي مسؤولية فكرية قبل أن تكون مهارة عملية، ومشروع وطني قبل أن تكون مجهودًا فرديًا. المستقبل لا ينتظر أحدًا، لكنه ينصت جيدًا لمن يفكر فيه بعُمق ويخطط له ووعيًا. في عالمٍ يعيد رسم خريطته كل يوم، تُثبت المملكة العربية السعودية أن الوعي بالمستقبل ليس لحاقًا به، بل قيادة له - وأن المجتمعات التي تُدرك هذا المعنى، لا تخشى الغد، لأنها ببساطة.. تصنعه.
فصناعة المستقبل ليست مشروع دولة فحسب، بل مشروع إنسان؛ وكل خطوة يخطوها الفرد نحو التعلم والانفتاح والابتكار هي جزء من المسار الوطني الأوسع نحو الغد.