سارة المطيري
بعد الغوص في بحار الكتب والمكتبات، تظل هناك شخصية أدبية تتصدر المشهد باستمرار، لا لأنها سعت للظهور، بل لأنها آثرت أن تخلد نفسها بما كتبت. الجاحظ ليس مجرد اسم في سجل الأدب العربي، بل ظاهرة فكرية نابضة بين السطور، يضحك ويُفكر ويُفكّر. وكلما قرأته، شعرت أنك تقف أمام عقل لا ينضب، وأسلوب لا يشيخ.
في كتابه “الحيوان”، وتحديدًا في باب “وسائل البيان”، يضع الجاحظ بين أيدينا مفتاحًا لفهم منهجه دون أن يقصده كاعتراف مباشر. يقول:
“وجعل بيانُ الدليل الذي لا يستدل المستدل من نفسه، واقتياده كل من فكر فيه إلى المعرفة، ما استخزن من البرهان، وحشي من الدلالة، وأودع من عجيب الحكمة”.
هذه الجملة ليست مجرد تأمل في البلاغة، بل تعبير عن فلسفته في الكتابة: أن تدع القارئ يظن أنه هو من اكتشف المعنى، وأن تهيئ له السبل ليصل إلى الحقيقة بنفسه. الجاحظ لا يفرض الأفكار، بل يُلمّح بها ويهيّئ لها، حتى تنبت في ذهن القارئ كما لو كانت له.
إنه يبني حجته بذكاء، يخلق بيئة فكرية تجعل الفكرة تظهر تلقائيًا، لا بوصفها رأيًا مفروضًا، بل كاكتشاف شخصي للقارئ. وهنا تكمن قوته الإقناعية: في التوجيه لا التصريح، في الإيحاء لا المباشرة. وهذا ما يجعل كتاباته ليست مجرد محتوى معرفي، بل تجربة عقلية فريدة.
ولعل أبرز ما يميز الجاحظ هو مفارقاته الذكية؛ إذ يكتب عن الحيوان ليكشف لنا علوم اللغة والمنطق، ويسرد النوادر ليقربنا من الفلسفة، ويمزج الطرافة بالجد ليصل إلى أعمق تأملات الإنسان. فهو لا يتقيد بالتصنيفات، بل يتجاوزها ليخلق نصًا مركبًا، يُقرأ على طبقات مختلفة.
وعندما ينتقل من حديثه عن الكائنات إلى الكتب، لا يبدو ذلك غريبًا عليه؛ فهو يرى في الكتاب كائنًا حيًّا أيضًا. يقول مدافعًا عن قيمة التأليف:
“ثم لم أرك رضيت بالطعن على كل كتاب لي بعينه حتى تجاوزت ذلك أن عبت وضع الكتب كيفما دارت بها الحال…”
هنا يتحول الجاحظ من أديب إلى محامٍ شرس عن المعرفة نفسها، ثم يُعلن ولاءه العاطفي للكتاب:
“الكتاب نعم الذخر، ونعم العقدة، ونعم الجليس…” في سرد تتوالى فيه الصفات كأنها أغنية حب لرفيق العمر. لكن، هل كان أسلوب الجاحظ هذا -المزيج من التهكم والعقلانية-مقبولًا في عصره؟ في زمن كانت البلاغة تُبنى على الجدية والرزانة، خرق الجاحظ الأعراف بجرأة، وتلقى بعض النقد من مجايليه. ومع ذلك، فرض احترامه على الجميع، لا لقوة حجته فحسب، بل لقدرته على اللعب باللغة وهي في ذروتها.
لقد فهم الجاحظ أن السخرية أداة تفكيك، لا انتقاص. ولهذا، حين تقرأه، لا تملك إلا أن تعجب من قدرته على أن يُضحكك ويقنعك في آن، أن يُجري جدلًا عميقًا داخل طرفة. وإن أعدنا تخيّل الجاحظ في عصرنا الرقمي، لوجدنا فيه مدوّنًا بارعًا، يتقن فن “التغريدة العميقة” قبل أن يولد تويتر. كان سيكتب منشورات تختصر الفلسفة في جملة، ويصنع ميمات أدبية تُضحك وتُفكّر. ومع ذلك، كان سيبقى وفيًّا للكتاب، لذاك “الإناء المشحون مزاحًا وجِدًّا”، كما وصفه هو.
الجاحظ لا يقدّم نفسه كأصحاب السير، بل يختبئ في النصوص، يترك ظلاله في كل سطر، ويأبى أن يُقبض عليه كليًا. إنه يكتب كما يتنفس، دون تصنّع، دون إعلان. وربما في هذا التواري سرّ حضوره الدائم: لأنه لم يحاول أن يُعظّم نفسه، بل عظم النص الذي كتبه، فبقي حيًّا فينا. فهل كان الجاحظ يعلم أنه يكتب للأجيال القادمة؟ أم أن روحه الساخرة، العابرة للأزمنة، هي التي قررت أن تخلد كلماته؟ مهما يكن الجواب، فإن في كل قراءة للجاحظ، نجد أنفسنا نكتشفه من جديد… وكأنه كان يكتب لنا وحدنا.