أ.د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
في حديث صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان مع ترامب تبرز استراتيجية واضحة لبناء “ذات فاعلة” لا “ذات مفسّرة”، فهو لا يقدّم نفسه بوصفه تابعًا أو متلقيًا للسياسات الدولية، بل بوصفه صانعاً لزمن جديد ومالكًا لزمام المبادرة، ولهذا وجدناه يقدّم نفسه طرفًا مكافئًا لا تابعًا، عبر استعمال جُمل تقريرية حاسمة، وأفعال كلامية إنجازية دائمة التنوع والحضور المكثف مما أسلمها إلى أن تتحول إلى مرجعية فكرية ورمزية، وليست مجالاً للتداول اللحظي، وأحال سموه تلك الأفعال إلى بنية معيارية تحدد السلوك السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمملكة العربية السعودية، وتخلق التزامات جديدة، وتعيد -بدقة- رسم حدود الواقع، إنه بهدوء الحكيم يتجاوز فكرة “التمثيل السياسي” إلى مفهوم الفاعلية الحضارية، أي استعادة القدرة على صياغة السردية لا الاكتفاء بالمشاركة فيها.
يجلس سموه بثبات، ونبرته المعهودة الهادئة، دون انفعال، مواجهاً ترامب والصحفيين، هذا الهدوء الأنيق يصنع جُملاً رصينة تعبر الأجواء الداخلية لمجلس الحوار لتصنع مستقبلاً طموحاً وراقياً، لم يُغفل سموه عنصر الدعابة، لكنه جعل منها أداة لتطبيع العلاقة، وجعل الحوار حميمياً لا بروتوكولياً.
كما تكشّف من خلال حديثه عمق الأبعاد الاستراتيجية والرمزية الكامنة في خطابه، التي تتجاوز المعنى الحرفي إلى الفعل والإقناع وتحقيق الأثر، يتحدث بثقة سالكاً سبيل الإقناع محدداً الهدف من خلال قراءة نفسية المخاطَب، ولهذا نجده في حواراته يعتمد على مبدأ (مصلحة المخاطب) في نظرية براون وليفنسون في المجاملة، ليصل إلى أقوى استراتيجيات التأثير حين يربط الطلب بمصلحة المخاطب نفسه، و-هنا- ينتقل بالخطاب (ليغدو تأثيرياً) من الحديث عن (النفط) و(الاستثمار) إلى الحديث عن (الإنسان)، وأوضاعه - كما في السودان مثلاً-، وفي ضوء هذا الانتقال المتقن يُظهر سموه المملكة العربية السعودية ليس بوصفها مستثمراً أو حليفاً، بل شريكاً في إعادة تعريف دور أمريكا الإنساني، فالسعودية (الجديدة) لا تريد أن تكون مصدر موارد، بل منبع المبادرات الإنسانية، والسياسات العالمية.
في حديث سموه مع ترامب لم يقدم لغة أرقام فحسب، بل إجراءات لغوية ترسّخ القوة الواقعية للمملكة العربية السعودية وتضعها أمام المتلقي الأمريكي كـ شريك استراتيجي منتج، ويقدّم صورة للقيادة السعودية بوصفها عقلانية قادرة على مخاطبة العالم بمنطق عالمي لا محلي، إنه يصوغ الإطار الذي تريد المملكة أن تُرى من خلاله، وأن تُستوعب ذاتها فيه، وأن تُفهم به في المحافل الدولية.
كل ذلك يبرزه بمنطق الثقة، والوضوح، والاختصار، ليرسم انطباعًا بأن المشروع السعودي ليس حلمًا، بل قرارًا سياسيًا قيد التنفيذ، هذه الحركة الخطابية تولّد لدى المتلقي إحساسًا باليقين، وهو أحد أقوى أدوات التأثير (الاقتصاد النفسي- التداولي).
وبسلاسة خطاب ولي العهد (الإقناعية) ينتقل الخطاب من مستوى “الردّ على الآخر” إلى صياغة أجندة الحوار، وهو -هنا- لا يكتفي بالخطاب التفاعلي (كما عند هابرماس)، بل مارس خطاباً تأسيسياً يصنع واقعًا جديدًا حول طبيعة المملكة العربية السعودية ودورها (التفوق غير المعلن)، فخطابه مؤسس لإنتاج الحقيقة، وصنع الهوية، وتوجيه السلوك.
وفي حواره حول عدد من القضايا المحورية تتجلى حركات (الهيمنة الصامتة) من خلال صياغة القضايا قبل الطرح، وإعادة تعريف العلاقات (الحديث عن علاقة المملكة العربية السعودية بأمريكا تاريخياً)، وتحديد الإطار المعرفي والأخلاقي للحديث والتفريق بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية النظامية (خاصة في الإجابة عن أسئلة الصحفيين)، وهو يصنع بذلك موازنة أخلاقية، ويخلق سياقاً تداولياً بنبرة ثابتة بلا انفعال حاد، ولا اعتذار عاطفي مبالغ فيه، إنه بهذا الحوار يُعيد ترتيب السياقات، ويضعها في نصابها الواقعي، مؤطراً طريقة خطاب فاعلة تجمع بين: اللغة المباشرة، والاختزال( القوة الإنجازية للفعل مع كثافة الدلالة)، والتفاؤل الواقعي.
أما طريقة جلوس سموه (الموقف بوصفه خطاباً منظوراً- الفاعل الهادئ)، فتحمل أبعاداً ودلالات رمزية، فالمسافة الجسدية توحي بأن الموقف شراكة (حوار بين قوتين- طرف مكافئ لا تابع)، والهدوء والثبات رسالة سيطرة على الموقف، وتمكن من دفة الحوار، والابتسامة التي لم تفارق محياه في مختلف المواقف الحوارية (مع ترامب، والصحفيين، والوفد المرافق) علامة تواصل تثبت الجدية وتختزل العبارات وتشكل نصاً ممتداً، ونبرة الصوت الرزين تعطي انطباعاً مسبقاً عن الثقة والطمأنينة، كما أنها نبرة جادة قادرة على تحويل الكلمات إلى قوة تغييرية فاعلة في نفوس متلقيه، أما صمت سموه في بعض الأحيان فلأنه يحتفظ بــ(القرار الفعلي) دون حاجة إلى مبالغة في الحديث، أو استعراض كلامي.