حنان بنت عبدالعزيز آل سيف
الأديب الكبير
أحمد حسن الزيات
حرَرها وأعاد بناءها
الدكتور الناهض
عبدالرحمن بن حسن قائد
شركة آفاق المعرفة
الطبعة الأولى 1441-2020م
أحمد حسن الزيات، أديب ألمعي، وكاتب لوذعي، إن حدثك أخذ منك ملء القلب والعين، حديثه ويبز البلغاء، ويبذ النبهاء، أديب مصري مؤصل وأديب سياسي مؤثر، أسس مجلة الرسالة العربية المصرية والتي دامت متطاولة باسقة طماحة ما يفوق عشرين عامًا أكل عليها الأدب وشرب، وقد كانت أهم مجلة فكرية أدبية ثقافية في الثلاثينات من القرن العشرين المنصرم، وقد استقطبت ثلة عريقة، صديقة من أدباء ومفكرين وشعراء من مصر -عمرها الله- ومن غيرها من أقطاب الوطن العربي، وعلى سبيل المثال لا الحصر كتب فيها عميد الأدب العربي الحديث طه حسين، والعقاد، ومصطفى صادق الرافعي، والمنفلوطي، وأحمد أمين، زكي نجيب محفوظ، وشكيب أرسلان أمير الأدباء وزعيمهم، ومحمود محمد شاكر، وعلي الطنطاوي، ومحمد سعيد العريان، وعلى من شاكلهم سلك طريقهم، ومن الشعراء الذي نفثوا أشعارهم فيها، ما نظمه الشاعر أحمد العجمي فأفاد وأجاد وترنم:
حيّ الرسالةَ واقبس من محيّاها
ما شئتَ من حسنها أو من حُميّاها
رفّت على الشرق أندى من أزاهره
كأن من نفَحات الخلد ريّاها
وأشرقَت بشعاعِ الفكر ناضرةً
تُسبي القلوب وتَجري في حناياها
ولا يأتي ذكر مجلة الرسالة إلا وتبرز فحولة الأديب أحمد حسن الزيات أحد رموز الأدب العربي الحديث على محياها، وقد أشاد فيها الزيات بشيء من ترجمته الذاتية والتي كان ينوي أن يضمنها كتابًا في سيرته الذاتية وخلجاته النفسية، وقد أتخذ لها مسمى أخاذًا جذابًا لا أحلى ولا أجمل من.
(ذكرى عهود) وظل الكتاب متواريًا في ذمة التاريخ وأمانته، وكان الزيات بين حين وآخر يرصع بقلمه الناهض شيئًا من ذكريات تلك العهود التي خطها بكفاحه ودأبه وتعبه حتى استقامت على عودها، على صفحات أدبية في صحف ومجلات ذاك العهد، وخصوصًا مجلة الرسالة، ثم شرع في خطوات عملية على جمع مادة الكتاب بين إهابين ليكتب لها الدوام والخلود، وهو بعمله هذا غير نشاز بل سار مسار أدباء زمنه في نشر المقالات منجمة ثم ضمها بين إحصابي كتاب، ويدل على هذا ما حدّث به الزيات نفسه الدكتور عبد العزيز الدسوقي في حوار له مع الزيات، وكان الحوار في مجلة (الهدف) سنة 1960م. ومما قاله الزيات في حوار معه أدلى به الإعلامي الشاعر فاروق شوشه في برنامجه الإذاعي: (مع الأدباء) وكان هذا قبل وفاة الزيات بنحو ثماني سنين، وقال فيه:
(الواقع أي بعد أن قضيت عشرين سنة في تحرير الرسالة أعمل بلا انقطاع ولا راحة..... أخذت قليلاً من الراحة ثم عدت إلى الكتابة في مجلة الأزهر وبعض الصحف زيادة على عملي في المجمع اللغوي، وأخذت أهيئ الأسباب لظهور كتابين أرجو أن يساعدني الله على إخراجهما، وهما: «ذكرى عهود» و»عبقرية الإسلام» وسيكون هذان الكتابان كما أرجو خير ختام لحياتي الأدبية).
والسؤال الطارح لذاته، ما مصير كتاب: «ذكرى عهود»؟ وكانت الإجابة مُعدة في مقدمة الكتاب باسم «حديث الذكرى» وفيها: (لكن حظ تلك الأضابير من المقالات المجموعة لم يكن خيرًا من حظ كتاب الزيات الآخر الذي فقده قبل ذلك، وهو كتابه «العراق كما رأيته».... وقد سأل نجل الزيات الدكتور علاء عن كتاب «ذكرى عهود»، فأخبره أنه لم يعثر على مخطوطات له بين أوراق والده، وأنه سأل الناشرين الذين كانوا ينشرون له، فقالوا: إنهم لم يتسلموا له أصولاً، وكذلك ذكر جمال الدين الرمادي أن القدر لم يمهل الزيات، فاخترمته يد المنون، قبل أن يتم هذا الكتاب، وأخبرت تلميذة الزيات الدكتورة نعمات أحمد فؤاد، وكانت من خاصته ولها منزلة أثيره منه أن الزيات كان يحتشد في سنينه الأخيرة بكتابة كتاب يسميه «ذكرى عهود»، وقد كتب معظم ذكرياته في «وحي الرسالة»، ولكنه كأن يريد أن يزيد عليها ويضيف إليها، ويخرجها في شكل منظم بين دفتي كتاب).
غير أن يد الرحمن كانت حانية فقد قيض لهذا الأديب الزيات الذي خدم لغة القرآن السنين الطوال من حقوق هذه الأمنية وأصاب الهدف، وجعل أمنيته تهرول بقدميها على (التحرير) الحياة ومروتها، ذلكم هو الأديب النضير، والكاتب (غير مقروء) الدكتور القدير: عبد الرحمن بن حسن قائد - حفظه الله وأبقاه، وأمد مجد الأدب بجميل إبداعه وروعة مؤلفاته، يقول حفظه الله: (وصلة لرحم الأدب، وبرًا بآله، نهضت لتحقيق أمنية الزيات هذه التي ظلَّ يتمناها أربعة عقود (1928م - 1968م) منذ كتب مقاله الأول الذي اعتبره مقدمة لكتابه إلى حين مفارقته للدنيا قبل أن يراه مطبوعاً موسوماً بالاسم الذي سماه به قبل أربعين سنة، فجمعت ذكرياته من كتبه المنشودة، ومما لم ينشر من مقالاته المنشورة، وفيها مقالات تنشر اليوم أول مرة في كتاب، وكانت مطوية من قبل في زوايا الصحف والكتب والمجلات، ووحدتها ورتبتها على عهود حياته، ونظمتها واعتنيت بها كما كان يريد أن يفعل أو كما لعله قد فعل) ويبدع الدكتور عبد الرحمن بن حسن بن قائد- زاده الله علمًا وأدبًا وأربًا في وصف الكتاب بقوله: (حتى استوى كتابًا مشرق الوجه معهم) الخلق، مليح القسمات، من أجمل ما أنت قارئ في أدب السيرة الذاتية البليغة المعاصرة).
ولعمري لو أن الزيات رآه لراعته قسماته وأخذ تنظيمه بمجامع لبه، وكما قالت العرب قديمًا في الحُسن والصباحة: الحلاوة في العينين، والجمال في الأنف، والملاحة في الفم، وقد حوى الكتاب حلاوة وجمالاً وملاحة وإن من البيان (لسحرا)، وما أشبه الليلة بالبارحة فالأديب العباسي الجاحظ يصف الكتاب وصفاً جميلاً ولكني لا أغالي ولا أبالغ إن قلت إن وصفه ينطبق بحذافيره على «ذكرى عهود» التي نسج متنها وحالك لبها الأديب المتألق -أحمد حسن الزيات- ثم قيض الله لها من خدمها وأبدع فيها أيما خدمة وإبداع حُبًا للأدب وعشقًا لأصفيائه، ألم يقل لك ابن قائد قبل برهة من الزمن: (وصلة لرحم الأدب وبرًا بآله نهضت لتحقيق أمنية الزيات هذه والتي ظلَّ يتمناها أربعة عقود)، ولا يسع المتأمل فيه إلا أن يقول كما قال تحفة الأدب العباسي الجاحظ في مدح الكتاب: (نعم الذخر والعقدة هو، ونعم الجليس والعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل).
وأما شاعر شعراء العصر الحديث وأعني به أميرهم.. أحمد شوقي. فقد تغزل في الكتاب، ولو أبصر- ذكرى عهود- لا بدع في رسمه، وراع قارئه بألوانه أليس القائل في بيت شعري ناهض:
أَنا مَن بَدَّلَ بِالكُتبِ الصِحابا
لَم أَجِد لي وافِياً إِلّا الكِتابا
صاحِبٌ إِن عِبتَهُ أَو لَم تَعِب
لَيسَ بِالواجِدِ لِلصاحِبِ عابا
إن المؤلف د. عبد الرحمن بن حسن بن قائد من أدباء أرباء هذا العصر الذي ماجت فيه الآراء، واحتارت فيه عظماء الرجال، فأعره سمعك، ليصب فيه الشهد التالي، حيث يقول: وهو دونك الآن يقول -حفظه الله-: (هذه سيرة ذاتية رائقة لإمام من أئمة الأدب في العصر الحديث، خلصتها لك تخليص من طبّ لمن حب، فاقرأهما -فديتك- بعين الأديب لا بنظر الفقيه، وألتمس منها المتعة لا القدوة، والعبرة لا الحجة، وأبحث في سطورها عن تجربة الأيام لا عن منازل الأحكام، وتذوق ما اشتملت عليه من لطيف البيان، وأعرض عن لغو القول ذلك اللسان، وإن تعثرت في سيرك بما تنكر، فجاوزه إلى ما لا تعرف واحرص على ما ينفعك، واستصحب الحكمة في جميع أمرك، ولا تبتغ من كتب الأدب غير ما أنشئت له، ولا تكن حرص الله مهجتك - كمن عمد إلى بلبل غرد فذبحه ليأكل لحمه، فما لذلك خلقت البلابل، وما كانت كتب الأدب مصدراً من مصادر الشريعة، ولا مظنة لتحرير أحكام الديانة، وما أنت بجاهل لأعلمك أن الحلال بين وأن الحرام بين، وإن أفتاك الناس وأفتوك، وقد تركت التعليق على بعض ما هو ظاهر المخالفة لأحكام الشرع من فتن الشهوات لعدم خفائه عليك إن شاء الله، وعلقت تعليقات مختصرة على مواضع التبس الحق فيها بالباطل، وهي هنات يسيرة مغمورة في بحر بلاغة الكتاب وبيانه العذب، وتلك غايته العظمى ومقصودة الذي من أجله تكلفت جمعه وتعنيت).
ولم يفت الزيات وصف الغزل الوارد في وبين طيّات أوراق الكتاب، يقول تحت عنوان: (ليالي الحصاد) ما كينونته (ومجالس الشباب والشواب على حصائد القمح الوثيرة، يديرون بينهم سقاط الحديث الفكه ويتبادلون في احتشام كنايات الغزل الحيي وغناء الفتيان وزمر الفتيه يتواردان على سمعك من قريب ومن بعيد فينفعلان في نفسك ما لا يفعله الموسيقار الحاذق، ثم نوم هؤلاء وهؤلاء في الهزيع الأخير على فرش من الحصيد تكلوءهم عين العفاف، وتتمثل في أحلامهم صور الفضيلة، فإذا ما تنفس الصبح على وجوههم المطلولة هبوا إلى القناة يتوضؤن ويصلون ثم يعودون إلى مناجلهم على أنشط ما يكون الفتى، وأرضى ما يكون المؤمن).
يا حبة لأمح زيدي
واملى المخازن علينا
إنت ذهب ملو إيدي
لولاك مرحنا وجينا
يا شمعة العز إيدي
واجلي بنورك عنينا
دا عيدي حبايبي وعيدي
يارب عوده علينا
وعنها يقول: (ترى مزارع القطن رفاقه الوجوه، بسامة الصور تنساب بين خطوطها البيض أسراب الغيد يجنين الثمرة الغالية وهن يغنين الأغاني الجميلة ويحلمن الأحلام اللذيذة.... فإذا جئت القرية وجدتها زخارة بالحياة، موّارة بالحركة، تمرح بحماسة الشباب وتموج بأطياف الحب، وتهزج بأناشيد الأعراس، وتتلقى جزاءها الأوفى على جهادها الصابر طول العام من فلاحة الأرض، وخدمة المالك، وإعانة الحكومة، فالطرق الآتية من الغيط تسيل بالعذارى الأوانس بالأكف المخضوبة، ويحدون بالأصوات الندية).
وحتى تعرف قدر الكتاب على حقيقته، وبراعة الكاتب في تنظيمه، ما جاء تحت عنوان مجهري وهو: (منهجي في الكتاب) وهو ينظم جُهد المؤلف وجَهده في إخراج الكتاب من سردايب حياة قديمة إلى دهاليز حياة جديدة، فقد أنفق في بعثه للنور الجهود التالية:
1- جمعه ذكريات الزيات ونسخها ورتبها على مراحل سنيه بما يتلاءم مع مجريات حياة الزيات وأحداثها وأحاديثها.
2- إذا كان المقال مما أعاد نشره الزيات في بعض كتبه أثبت لفظ الكتاب دونًا عن أصل المجلة المنشور فيها لأن آخر الأمرين ما استقر اختيار الزيات عليه.
3- أكثر الزيات من الحديث عن أعلام عصره في مجلته الرسالة وما عرضه د. عبد الرحمن بن قائد منها إلا ما اشتمل على شيء من سيرته ومسيرته الذاتية.
4- اقتصر من المقالات الأخرى على ما هو داخل في باب السيرة من مشاهدات الزيات ومسموعاته وآرائه في الناس.
5- تصرف في مواضع قليلة بإعادة صياغة بعض عناوين المقالات بما يتلاءم مع سياق السيرة.
6- أفرد لذكرياته في العراق بابًا ضمن (عهد الشباب) وإن كانت مادتها أشبه بكتاب الزيات المفقود (العراق كما رأيته).
7- فسر الغامض من الألفاظ والتراكيب مما لم يفسره الزيات في الحواشي وختم تفسيره بحرف (ز) تمييزًا له، واعتمد في التفسير على كتابين وهما (المعجم الوسيط) (ومعجم تيمور الكبير).
8- تنبيهاتي متفرقة بعباءة موجزة على تعيين مهمل أو كشف مشكل أو الدلالة لمصدر.
ولعل إجالة الطرف في المهام الجليلة التي خدم بها المؤلف الكتاب توحي بجلالة قدر المؤلف، وعمق علمه بكتب المتقدمة وهي والمقدمة جديرة بالوقوف عندها والتأمل فيها، وذلك لجلالة معناها وصلابة أدبية لفظها وقد آثرت لك هذا وقد ترجم الدكتور قايد ترجمة مختصرة فيها ما قلّ ودلّ من معلومات تخص (أمير الرسالة) الأديب أحمد حسن الزيات معرجًا على ومعلقًا على النسب والأسرة والتعليم والالتحاق بسلك الوظيفة، والرحلات والشيوخ في ثم نتاجه وعطاءه الأدبي وأخيرًا وفاته.
يلي هذا وذاك متن الكتاب وقد جاء مقنناً في فصول ندية مذهبة منفضة وصف فيها ما يخطر على البال وما لا يخطر من وصف القرية بكل ما فيها من مصمدة ومنقبة ومن منقصة ومثلبة، حيث وصف مراسم العرس القروي القديم حيث هزج بصوته المدوي: (رسمتها على أسلوب المقالة، ولو رسمتها على أسلوب القصة لكانت الألوان أزهى والظلال أدل، والتفاصيل أكمل) ولم يفت الزيات أن يصف حديث أهل القرية فجاء الوصف بهيًا جياً ظريفًا حيث قال: (وحديث الناس في القرية كشقشقة العصافير في الشجرة تسمع كل عصفور يغرد، ولا ترى عصفورًا واحدًا يسمع) ثم يمعن في رسم حديث أهل القرية فيدلي بدلوه الملآن قائلًا: (ذلك بعض حديث القوم، وهو على سذاجته أو قل على تفاهته أخف على القلب، وأندى على الكبد من حديث يزوره كاتب يتعاطى الأدب أو خطيب يحترف السياسة) وصورة العيد هي: (تلك صورة العيد في القرية رسمتها بغير ألوانها الزاهية، وجلوتها في غير إطارها المذهب، فبالله ربك، أهي على علاتها أخلق بالإنسان وأقرب إلى الدين...) والقرية التي كانت زخارة بالحياة، موّارة بالحركة تموج بأطياف الحب وحماسته، ماذا حدث لها: (عادت القرية جديبة كالقفر، كئيبة، لا يعقد فيها اجتماع لأنس... ولا يقام بها احتفال لعرس...)، ويرسم يوم النسيم رسمًا فائقًا نابضًا بالحياة فيقول: (ذلك شم النسيم) (بخصيصته ودلالته تراه في المدينة والقرية يوم الصفاء المشترك، والأنس المشاع، وقد كانت لي فيه ذكرى أو ذكريات لا تزال مشرق النور والسرور في نفسي، وما كان أحب إليّ أن أقصها عليك، ولكن الصفحة قد نفذت وساعة الطبع قد أفدت.. «دنت واقتربت»، ورئيس المطبعة يقول: «هات» )ولا يفوت الأديب أحمد حسن الزيات أن يصور نفسه في كتاتيب القرية مع أطفالها ورعيلها خاصة وهم بحضرة سيدهم ومعلمهم الأول الشيخ حسن وهو رجل من رجالات الريف وقد كانت للزيات عنده حضوه ومكانة ومنزلة، وقد انقادت الألفاظ تتري متتابعة لسليقه أمير الرسالة وهو يصف شيخ القرية «حسن» فجاء وصفه ورسمه وتشكيل هيئته بديعًا حيًا نابضًا بالحياة، وأصغى إليه وهو يمعن في وصفه خَلقًا وخُلقًا، قلبًا وقالبًا فيترنم على ذرى لغته السلسة قائلاً: (كان سيدنا الشيخ حسن رجلاً مربوع القامة إلى الطول، ممتلئ الجسم إلى السمن، آدم اللون في اصفرار، مستدير الوجه في غلظ قصير العنق في اكتناز، عريض الجبهة في بروز، ضيق العين في كلال، مرسل الشارب، مسبل اللحية، قد شاع فيها مشيبالسنة الخمسين،..... فإذا رجعت فيه البصر رأيت في وسط جبينه سمة ظاهرة في شكل الزبيبة من أثر السجود، وحب المشاجرة، تناقض في خلق الشيخ، فقد كان رقيق القلب، مرهف الشعور، يهتاج لأدنى باعث، ويبكي لأقل حادث، ويتأثر لأي خبر).
والزيات كان عنصراً فاعلاً مع شيخه حسن حيناً يساعده على أطفال الكتاتيب وحيناً يحفظه قصيدة البردة للبوصيري شطرة شطرة، لأنها مما يحتاجه الشيخ- حسن في عمله في أطراف القرية حيث إنها تارة تنشد أمام الجنائز كأنها كتاب الموتى، وهو حريص على أن يتزعم فريق المنشدين، لماذا هذه الرغبة في التزعم لأنه (يذكر الناسين أوائل الأبيات، ويرسم للبادئين طرائق النغم، حتى يعتاض بهذه الزعامة عن زعامة القراء، فإن فيهم من يفوقه في حفظ القرآن وتجويده، ولكن ما العمل وأنا لا أفهم ما اقرأ، وهو لا يعلم ما يحفظ؟ لا حيلة إلا أن ينقشها في صفحة حافظته على الصورة التي ألفناها من رسم الكلمات) والصور التي رسمها الزيات بريشته كثيرة ومعبرة جدًا.
ومن أبدع ما ترنم به أمير بيان مجلة الرسالة الأديب الزيات وصف الفتاة الجميلة من فتيات القرية، ووصف الشيخ عبد الجبار شيخ الفقهاء وجلاد الشياطين، ثم وصفه وصفًا حاذقًا دقيقًا تخاله كالحقيقة وهو يحاول إخراج الشيطان الآبق من جسد فتاة القرية والتي أسماها (ريا)، كذلك جهر الزيات بوصف بديع لجمال المنصورة تلك البلدة المصرية البديعة، ثم وصف القهوة الشعبية التي كأن يألفها الزيات -رحمه الله- في حياته، ثم برسم تشكيلي على أرفع المقامات، يصف طوائف الناس الذين تجمعهم وحدة الحرفة والصنعة، حيث أن الحب وحده من يشاكل أطراف وأصناف جماعة القهوة والصحب والصحاب التي يؤمها أديبنا الموقر الزيات..
والأهم من هذا وذاك أن أحاديث الرفقة والصحاب يتشقق في التاريخ والأدب وفنون السياسة ومظاهر الإصلاح، وكانت هذه الأحاديث مادة ثرية لموضوعات جمة فريدة نشرت في مجلة الرسالة الأدبية الثقافية أيام تصدر الزيات لها، ومن خير ما يشار إليه في هذا المقال أن مسمى القهوة التي كان الزيات يؤمها مع رفقته وبلدييه هو (الكافورة) وقد كتب فيها الزيات مقالاً جميلاً عنوانه: (تحت ظلال الكافورة)، حيث نشر ولم يبخل الزيات على قراء سيرته الذاتية بوصف يكون هنا أو هناك، فأعره سمعك ليتغنى في تشقيق وصف قهوته المحببة لنفسه يقول: (ثلاث سلاسل من المناضد الرخامية امتدت في ثلاثة أروقة.. وعلى حواشي هذه السلاسل جلست جماعات مختلفات، في منهج السلوك ودرجة الثقافة فهؤلاء من رجال العمل يداهي بعضهم بعضًا في مبايعة أول مقاولة، وأولئك من رجال العلم يتنازعون الحجج في مناقلة أو مجادلة، وفي مماشي القهوة أفردًا من صعاليك الخلق يمشون وأبصارهم لا تقع إلا على النعال أو على الأرض، أولئك هم ماسحوا الأحذية ولا قطعو الأعقاب،..... ولو أردنا لوجدنا لكل طبقة من طبقات المجتمع صورة من صور القهوة نشقق عليها الحديث، ونعمق فيها البحث، ولكننا نقف اليوم عند صورة هذه العيون المشدودة إلى الأرض،... فإنها أولى بالتفكير وأجدر بالرثاء).
والحب وحده هو من يشكل أطراف وأصناف مرتادي القهوة من رفقة ورفق ومن صحاب وصحب ثم يعرج الزيات على سر جاذبية القوة لجماعات من الناس وهنا يقف الزيات منتحلاً شخصية محلل نفسي على طراز رفيع من أعلى المستويات، ومن ساحر قول الزيات: (إذا لم يؤتك الله المشاعر السحرية التي تجعل الظلام نورًا، والبخار بخورًا، والطنين شدوًا، والكدر صفوًا عناك أن تجد اللذة، وأعياك أن تسيغ العيش لقد كنا من قبل نبصر الحياة بالقلب والقلب فنان، ونحن الآن نبصرها بالعقل والعقل عالم )..
أحمد حسن الزيات لا يختلف اثنان في إمامته للأدب، وفي غرفة من بحور الأدب العميقة، ولم يكن أجنبي السحنة عالة على فرائد الأدب الفرنسي الذي تعلّم لغته ونقل روائعه إلى الأدب العربي، وهو شبيه ابن المقفع في هذا، فجاءت روائعه تعبر عن نفسها واثقة، وتصف ذاتها مبتسمة، كان الزيات رجلاً ناهضاً محباً للعزلة عادة العباقرة في ذلك الزمان المتباعد، ومازالوا عليها، كان يكره الظهور فعاش عزلة، ومشى في قصد، وعمل في صمت، ومثاله اعتزاله معتكفاً مع ناسك المعرة- أبي العلاء المعري- قرابة الشهرين، وكان الاعتكاف معه على مائدة أدب المعري مثل لزومياته وفصوله وغاياته لينهل منها أدبًا عربيًا صراحًا أضف إلى ذلك كتب الأدب التراثية، ودواوين العرب الشعرية، وقد صال وجال في الأدب لاسيّما والغربي: (ولن تبلغ المجد، حتى تلعق الصبر)..
وفي حديث الزيات الأدبي إشارة إلى ظاهرة ملموسة محسوسة في دنيا البارزين وهو يقول لك: (إن كلمة الخير من أديب في أديب، أو شهادة الحق من عالم في عالم، لم يسجلها تاريخ الأدب إلا في باب النوادر) لله در الزيات فقد أشار عن حديث الأقران في تاريخ الأدب، وعادة النقاد المنصفين عدم الاعتداد بحديث من قرين في آخر، لحب النفوس للأثرة، ورغبتها في الاعتلاء على سنام التفرد وحدهما. ألم يقل المتنبي بيته الشعري الفخري:
أنا الذي نظَر الأعمى إلى شعري
وأسْمَعَت كلماتي مَن بهِ صَمَمُ