السموأل محمد إبراهيم
في لحظة تتخطى مقاييس الزمن، وتعلو فوق اتساع الجغرافيا، خطت المملكة على يد فريقها الطبي والجراحي بمدينة الملك عبدالله التخصصي للأطفال صفحة جديدة في سفر الإنسانية، بعد أن نجح الأطباء في فصل التوأم السيامي الجامايكي أزاريا وأزورا. كان ذلك الإنجاز أشبه بولادة ثانية، لا تهدي الطفلتين حياة فحسب، بل تمنح العالم درسا في الرحمة الممكنة. ومن قلب الرياض، حيث تتلاقى الخبرة بالضمير، امتد نور هذه الملحمة الإنسانية ليخترق المحيطات، ويصل بأشعته الدافئة حتى شواطئ الكاريبي البعيدة، ناشرا رسالة أمل وعطاء بلا حدود، ليعلن انتصار الأمل من جديد. وانتهت الرحلة الجراحية بأن وضعت كل طفلة في سرير مستقل، لتبدأ حكاية عمرٍ جديد، نسجت خيوطها بأيد سعودية جمعت العلم إلى البصيرة، والمهارة إلى الرحمة، والإنسانية إلى أسمى معانيها.
لم تكن العملية حدثا طبيا يمر في سجلات المستشفيات، بل كانت ملحمة إنسانية خاضتها السعودية بروح واثقة لا تهتز. فقد واجه الأطباء حالة معقدة تشارك فيها التوأم أجزاء حيوية من أسفل الصدر والبطن والكبد، مع اشتباه ارتباط دقيق في الأمعاء وغشاء القلب، وزاد المشهد تعقيدا عيب خلقي خطير أصاب عضلة قلب إحدى الطفلتين، فلم يتجاوز ضخها خمس ما يحتاجه الجسد ليحيا.
ورغم أن نسبة الخطورة لامست 40 %، فإن العزيمة السعودية لم تلتفت إلى الأرقام، ولم ترى في التحديات إلا سلما يقود إلى حياة جديدة. واصل الفريق مسيره نحو الهدف بعزم وثبات، كأنما يحمل على مبضعه عهدا مقدسا : أن الإنسانية، حين تستنهض على أرض المملكة، تتجاوز حدود المستحيل، وتكتب على صفحات الزمن فصلا من المعجزات.
قاد هذه الملحمة الإنسانية معالي الدكتور عبدالله الربيعة، رئيس الفريق الطبي والجراحي لعمليات فصل التوائم السيامية، ذلك الطبيب الذي بات اسمه مرادفا للإنسانية حين تتجسد على هيئة علم وخبرة ورحمة. ومنذ أن حطت التوأم رحالها في المملكة في الثامن والعشرين من يوليو الماضي، شرع الفريق تحت قيادته في رحلة دقيقة من الفحوصات والاجتماعات والتقييمات، رحلة تشبه في تفاصيلها بحثا عن بصيص حياة وسط غابة من التحديات. وفي النهاية، خرج القرار الشجاع: منح أزاريا وأزورا فرصة ميلاد مستقل، مهما بلغ الثمن، ومهما تعاظم الخطر.
لقد أثبتت الكوادر السعودية مجددا أنها لا تكتفي بالمعلومة الطبية ولا بالمهارة الجراحية، بل تصوغ من العلم روحا، ومن التضامن قوة، ومن الرحمة منهجا. حتى غدت المملكة، بما تقدمه من تجارب وإنجازات، مرجعا عالميا في أصعب عمليات الفصل، ووجهة يلوذ بها كل من يبحث عن أمل يعاد نسجه على يد تعرف أن الطب ليس حرفة.. بل رسالة حياة.
رحلة أزاريا وأزورا.. من جامايكا إلى وطن الإنسانية:
لم تكن أزاريا وأزورا مجرد حالتين طبيتين تعبران المحيط؛ بل كانتا رسالتين صغيرتين تحملان وجعا عابرا للقارات، بحثا عن يد تمتد بالنجدة قبل أن تمتد بالحكم. وجاءت إلى المملكة لا كضيوف، بل كقلبين صغيرين يجدان في هذا الوطن الواسع ملاذا يليق ببراءتهما. ففي ربوع المملكة، حيث تتكئ الرحمة على إرث عميق من نخوة ووفاء، لم تسأل الطفلتان عن لغة أو لون أو انتماء، بل لقيتا بكرامة الإنسان، وعوملتا بما يليق بالجوهر الإنساني الخالص، بلا أي اعتبار للحدود أو الفوارق. حيث وجدت الأسرة الجامايكية هنا وطنا آخر يشبه حضنا كبيرا، وقلوبا نابضة تستشعر الألم ولو كان يأتي من أقاصي الكاريبي، وسمعت صوتا سعوديا يقول بثقة لا ترتجف: هنا المملكة.. وطن تفتح فيه الأبواب قبل الأسئلة، وتقدم فيه الحياة قبل كل اعتبار.
إن ما تحصده المملكة اليوم من إنجازات طبية ليس ثمرة لحظة عابرة، ولا نتيجة ظرف طارئ، بل هو حصاد سنوات من الاستثمار الراسخ في الإنسان أولا، وفي المعرفة والتقنيات المتقدمة ثانيا، حتى غدت هذه الأرض المباركة مركزا تشد إليه الرحال من كل صوب. فقد أصبحت مدينة الملك عبدالله التخصصي للأطفال محجا عالميا للحالات النادرة والمعقدة، وفضاء تتسع فيه الرحمة بقدر ما تتسع الخبرة، وتجتمع فيه اليد الخبيرة مع القلب الذي لا يعرف إلا إنقاذ الحياة - بعون الله تعالى وتوفيقه وكرمه.
وهذا الإنجاز الأخير ليس سوى شاهد جديد على أن المملكة تمضي بثبات نحو موقعها الطبيعي : في طليعة الدول التي تقود مسيرة الطب الحديث، مسندة بروح مسؤولية لا تخبو، ورسالة إنسانية لا تنقطع، وعزم لا ينظر إلى الحدود إلا بوصفها جسورا تمتد من السعودية إلى العالم كله.
لم تكن هذه العملية مجرد إنجاز طبي يُضاف إلى سجل النجاحات المتتابعة، بل جاءت شهادة جديدة على أن المملكة قد وضعت الإنسان في ذروة اهتمامها، وجعلت من الإنسانية عنوانا ثابتا لا يتغير. فهي لا تكتفي بعلاج المريض ولا بمساعدة المحتاج، بل تتبنى ذلك رسالة دائمة، تُمارسها بروح مسؤولية لا تلين، واحترافية تعكس عمق رسالتها، وتقدمها للعالم نموذجا ملهما لدول ومجتمعات تبحث عن معنى الرحمة حين تقترن بالقوة، وعن قيمة العطاء حين يمارَس بلا حدود.
خاتمة : لقد أثبتت المملكة، بقيادتها الحكيمة وطاقاتها الطبية المتميزة، أن الإنسان هو محور كل اهتمام، وأن رسالتها الإنسانية تتجاوز حدود الوطن لتصل إلى كل أرجاء المعمورة. وما هذا الإنجاز إلا شهادة ساطعة على أن السعودية، حين تفتح ذراعيها للمرضى والمحتاجين، لا تمنح الحياة فحسب، بل تشرع نافذة أمل جديدة في عوالم اليأس، وتخط فصلا جديدا في سجل الإنسانية، عنوانه واضح وجلي: السعودية.. وطن يصنع الحياة، ويجعل الرحمة والمهارة والإنسانية رسالة تهدى للعالم بأسره.