د. عبدالرحمن فقيهي
في خطوة أثارت جدلاً واسعًا، كشفت منصة «X» عبر أحد تحديثاتها الحديثة حقيقة عددٍ كبير من الحسابات الوهمية، وأظهرت مواقع أصحابها الجغرافية، فانكشفت السوءات، وتساقطت الأقنعة، وشاهت الوجوه والملامح، وظهر ما كان مستورًا خلف أسماء مجهولة وصورٍ مُستعارة.
هذا التحديث لم يكن مجرد تغيير تقني عابر؛ بل كان اختبارًا أخلاقيًا فضح من امتهن بثّ الشائعات، وتأجيج الرأي العام، وزعزعة الثقة في المجتمع ومؤسساته.
أولاً: الحسابات الوهمية.. عبثٌ يتلبّس رداء الحرية
لقد تحوّلت بعض الحسابات الوهمية إلى أدوات تُدار بحسابات خارجية، أو ذممٍ خفية، تتعمد الإساءة، والتشويه، وإشعال الفتن، وصناعة الضجيج حول قضايا لا وجود لها.
وحين أظهر التحديث الجديد مواقع أصحابها، تبدّد الادّعاء، واتضح للناس أن كثيرًا مما كان يُكتب بجرأة “مزيّفة” ليس إلا هروبًا من المسؤولية، وتمرّدًا على القيم، واستغلالًا لمساحات التواصل لغايات مشبوهة.
ثانياً: المنظور الشرعي.. النفاق الإلكتروني صورة معاصرة للخداع
جاء الشرع ليحفظ الحقوق ويصون المجتمع من العبث والافتراء، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (الأحزاب: 70).
والقول السديد لا يكون خلف قناعٍ يختبئ به صاحبه ليُضلّ ويُشوه. كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب..». والكذب في فضاء التواصل ليس مجرد كلمة، بل منظومة متكاملة من التزوير، والافتراء، وصناعة الوهم، وتحريف الحقائق. وقد عدّ العلماء التخفي لنشر الباطل نوعًا من الخداع المحرّم، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «الخداع المحرم ما كان لإبطال حق أو لنصرة باطل». وهذا الوصف ينطبق تمامًا على الحسابات الوهمية التي اتخذت من anonymity وسيلة للإفساد لا للإصلاح.
ثالثاً: أثر التحديث.. انكشاف الواقع وسقوط الزيف
بعد التحديث الجديد، تبدّى للناس أن غالب ما كان يُروَّج ضد الدولة أو المجتمع أو الأفراد إنما هو عمل منسّق، تُديره جهات أو أفراد لا يملكون الشجاعة ليواجهوا بأسمائهم الحقيقية.
وأصبح واضحًا أن عدداً من «الترندات» والأزمات المصطنعة لم تكن إلا صناعة حسابات وهمية تهدف إلى تشتيت الوعي العام. لقد قال تعالى في وصف أهل الفتنة: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ) (الحشر:2)، وهكذا تفعل الحسابات الوهمية؛ تهدم وعي أصحابها قبل أن تهدم وعي غيرهم.
رابعاً: مسؤولية المجتمع.. وعيٌ قبل التقنية
التقنية قد تكشف، لكن الوعي يحصّن. ومن المؤسف أن بعض الأشخاص اتخذ من المنصات الرقمية منبرًا لتسويق الحقد أو الافتراء أو إشاعة البلبلة، حتى ظنّ أنه في مأمن ما دام خلف قناع. فجاءت التقنية لتقول له: لم يعد هناك قناعٌ آمن.
المجتمع بحاجة إلى تعزيز ثقافة التحقق ورفع مستوى النقاش المسؤول، والابتعاد عن إعادة نشر الحسابات المشبوهة، فالكلمة أمانة، والوعي مسؤولية.
الخاتمة: لقد أظهرت تحديثات منصة X أن العالم الرقمي ليس فضاءً معزولًا، وأن الحقيقة مهما خفيت ستظهر، وأن من بنى حضوره على الزيف لا بد أن ينكشف يومًا.
وإذا كانت التقنية قد أسقطت الأقنعة اليوم، فإن الأخلاق هي التي تمنع الناس أصلًا من لبسها. وشاهت الوجوه والملامح حين انكشف الباطل، وبقي وجه الحق لا يبرحه نور ولا تستره ظلمة.