د. عبدالله علي بانخر
يُعد فهم الأساسيات الاقتصادية - مما يتكون الاقتصاد وكيف تُصنف المنتجات وكيفية الاستثمار فيها- أمراً حيوياً لتحليل القطاعات الناشئة مثل اقتصاديات الإبداع. ينقسم الاقتصاد إلى أنشطة رئيسية، وتُصنّف مخرجات هذه الأنشطة (المنتجات) إلى ثلاث فئات متمايزة، ولكل منها استراتيجيات استثمارية مختلفة.
1 - القطاعات الاقتصادية الأساسية
يُصنَّف النشاط الاقتصادي تقليدياً إلى أربعة أو خمسة قطاعات رئيسية بناءً على طبيعة النشاط والعملية الإنتاجية:
* القطاع الأولي (Primary Sector): يركز على استخلاص الموارد الطبيعية والمواد الخام مباشرة من البيئة.
* القطاع الثانوي (Secondary Sector): يركز على تحويل المواد الخام إلى سلع تامة الصنع أو وسيطة.
* القطاع الثالث (Tertiary Sector): يركز على تقديم الخدمات للمستهلكين والشركات.
* القطاع الرباعي والخماسي (Quaternary الجزيرة Quinary Sectors): وهي القطاعات الأكثر حداثة، حيث تركز على خدمات المعرفة، البحث والتطوير، تكنولوجيا المعلومات، وصنع القرار.
2 - أنواع المنتجات الأساسية: الأساس الثلاثي
يُمكن تصنيف مخرجات هذه القطاعات إلى ثلاث فئات رئيسية:
أ - السلع المادية (Goods)
هي منتجات ملموسة تُباع وتُستهلك، وتنقسم إلى سلع معمرة (تدوم طويلاً) وغير معمرة. يتضمن الاستثمار فيها فهم سلسلة التوريد، وهي الشبكة المتكاملة لنقل المنتج من المورد إلى العميل.
ب - الخدمات (Services)
هي أنشطة أو منافع غير ملموسة تُنتج وتُستهلك في نفس اللحظة (مثل الرعاية الصحية، والاستشارات القانونية). يعتمد الاستثمار هنا بشكل كبير على البنية التحتية كالمرافق وشبكات الاتصالات.
ج - الأفكار والملكية الفكرية (Ideas الجزيرة Intellectual Property - IP)
يُمثل هذا النوع فئة ثالثة محورية، حيث تكمن القيمة في الفكرة أو الحقوق الحصرية وليس في حاملها المادي.
توضيح: الأفكار والملكية الفكرية (IP)
يُقصد بالملكية الفكرية (IP) إبداعات العقل البشري، وهي حقوق قانونية تُمنح للمنشئ لحماية استخدامه التجاري لإبداعاته أو ابتكاراته. هذه الحقوق تحول الأفكار غير الملموسة إلى أصول مالية قابلة للتداول والترخيص. القيمة الحقيقية للفيلم أو اللعبة ليست في المادة الرقمية نفسها، بل في حقوق الملكية الفكرية التي تسمح للمستثمر بتحقيق عائدات متعددة. تشمل الأنواع الرئيسية للملكية الفكرية: حقوق التأليف والنشر (Copyright) التي تحمي الأعمال الإبداعية والمحتوى الرقمي، وبراءات الاختراع والعلامات التجارية.
3 - أنواع الاستثمار وعلاقته بالمنتجات الأساسية
تحدد طبيعة المنتج الاستراتيجية الاستثمارية الأنسب لتحقيق العائد:
أ - الاستثمار في السلع المادية (Goods)
يتركز هذا الاستثمار على القدرة الإنتاجية والتحكم في سلسلة التوريد (الاستثمار الحقيقي). يشمل شراء وبناء المصانع والآلات والمعدات اللازمة للإنتاج.
ب - الاستثمار في الخدمات (Services)
يركز على البنية التحتية ورأس المال البشري. يضخ المستثمرون الأموال لإنشاء المرافق اللازمة لتقديم الخدمة، بالإضافة إلى الاستثمار في التدريب والتكنولوجيا لرفع جودة الخدمة وزيادة الكفاءة التشغيلية.
ج - الاستثمار في الأفكار والملكية الفكرية (IP)
يمثل هذا النوع استثماراً عالياً في المخاطر ومرتفعاً في العائد المحتمل، ويركز على الابتكار والملكية الفكرية. تُعد آليات رأس المال المغامر (Venture Capital - VC)، وهو استثمار لتمويل الشركات الناشئة عالية النمو، الأداة الرئيسية هنا، حيث يتم تمويل الإنتاج الإبداعي مقابل الحصول على حصة في الملكية الفكرية الأصلية (IP)، مما يضمن تدفقات نقدية متعددة ومستمرة.
التحول السعودي: الاستثمار في المستقبل والمنتجات غير النفطية
تشكل المملكة العربية السعودية اليوم نموذجاً فريداً للتحول الاستثماري، حيث تعمل رؤية 2030 على إعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات العائد الأسرع والأكثر ارتباطاً باقتصاد الأفكار.
* التركيز على الأفكار والمحتوى (IP): تضخ المملكة استثمارات هائلة لتمويل مشاريع كبرى مثل نيوم (NEOM) والقدية، التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة وتطوير الملكية الفكرية. كما يتم تمويل قطاع الترفيه والألعاب الإلكترونية والمحتوى بشكل مكثف، مستهدفة بشكل مباشر المنتجات القائمة على الفكرة والمعرفة.
* تعزيز الخدمات والبنية التحتية: يتم الاستثمار بقوة في البنية التحتية اللوجستية والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى تطوير الخدمات المالية والتقنيات المالية (FinTech)، وهو ما يعكس استثماراً ضخماً في الخدمات (القطاع الثالث).
* دعم القطاع الصناعي الحديث: يشهد القطاع الثانوي (الصناعي) تركيزاً على التصنيع الذكي والصناعات التحويلية والمعادن، مما يدعم الاستثمار في السلع المادية بمنهجية متقدمة وتكنولوجية.
4 - مخاطر واستراتيجيات الاستثمار في الملكية الفكرية
يتميز الاستثمار في الملكية الفكرية بمخاطر عالية تتطلب استراتيجيات متقدمة للحد منها:
أ - المخاطر الرئيسية:
تتمحور المخاطر حول عدم اليقين السوقي (فشل الفكرة في جذب الجمهور)، وخطر القرصنة الذي يقلل من العائدات، وخطر التقادم التكنولوجي السريع الذي يُفقد المنتج قيمته بسرعة (أي انخفاض قيمته بسبب ظهور تقنية أحدث).
ب - استراتيجيات الحد من المخاطر:
للتغلب على هذه التحديات، يتم الاعتماد على:
* التنويع واستغلال العلامات التجارية الراسخة (IP): الاستثمار في سلاسل نجاح سابقة واستغلال الملكية الفكرية في عدة أشكال.
* التحصين القانوني والتقني: التسجيل الشامل لحقوق الملكية الفكرية واستخدام تقنيات إدارة الحقوق الرقمية (DRM)، وهي حماية تقنية تُستخدم لتشفير المحتوى وحمايته من النسخ غير المصرح به، لمواجهة القرصنة.
* الاستثمار في المنصات: التركيز على الاستثمار في منصات التوزيع أو محركات الألعاب بدلاً من منتج واحد، لضمان المرونة والقدرة على التكيف.
ويمثل «سباق القيمة الاستثمارية في اقتصاديات الإبداع» قفزة نوعية نحو المستقبل. لقد أثبتت الأفكار أن قيمتها تتجاوز بكثير قيمة نظيراتها المادية، فهي لا تستهلك بالاستخدام بل تتضاعف وتتجدد عبر الترخيص والاستغلال المتعدد.
بينما تستمر عجلة الإنتاج في القطاعات التقليدية، يكمن التفاؤل الحقيقي في قدرة المستثمرين على احتضان المخاطر المحسوبة التي يفرضها الإبداع. إن التركيز على حماية الملكية الفكرية، واعتماد استراتيجيات التنويع الذكية، يفتح الأبواب أمام عوائد غير مسبوقة.
وفي طليعة هذا التحول، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج رائد، حيث تترجم رؤية 2030 طموحها من خلال الاستثمار الجريء في الابتكار والخدمات والمدن الذكية. إن الرسالة واضحة: المستقبل ينتمي إلى الدول والشركات والأفراد الذين يرون أن أغلى ما يملكونه هو ما لا يُلمس. نحن في فجر عصر جديد، حيث الإبداع هو رأس المال، والملكية الفكرية هي البوصلة، والآفاق مفتوحة للنمو غير المحدود وغير المسبوق.