زياد الجارد
حين تحدث سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في البيت الأبيض عن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، لم يكن ذلك حدثاً هامشياً، بل كان حديثاً يرسم ملامح اقتصاد لا يحكمه التعداد السكاني، بل كفاءة الإنسان.
كان هذا التصريح إشارة واضحة إلى أن المملكة تتجه نحو نموذج اقتصادي أكثر ذكاء، ويعوض أي فجوة ديموغرافية بالتقنية، ويرفع من قدرة الاقتصاد على النمو دون الاعتماد الكبير على العمالة التقليدية.
وهنا تظهر حكمة المملكة في قراءتها لواقعها الديموغرافي والإستراتيجي بدقة، فهي تدرك أن جزءا من سوق العمل ما زال يعتمد على الوظائف التشغيلية منخفضة القيمة، وأن المستقبل يتطلب اقتصاداً قائماً على المعرفة والمهارات بدلاً من التوسع في الأعمال الروتينية.
ولذلك تتبنى المملكة التقنيات المتقدمة لتحويل هذا الواقع، وبناء اقتصاد يتوسع بالإنتاجية مدعوماً بالتقنية، جاعلة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من منظومتها الاقتصادية.
وفي السنوات الأخيرة، عملت المملكة على بناء واحدة من أسرع شبكات البنية الرقمية نمواً، عبر إنشاء مراكز بيانات ضخمة، ومنصات سحابية وطنية قادرة على استيعاب تطبيقات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يضع الأساس لاقتصاد يرتكز على البيانات والإنتاجية، ويمنح المملكة موقعاً متقدماً في سباق التقنية العالمي.
وتتحرك اليوم السعودية بثقة لتكون القائد التقني وعاصمة الذكاء الاصطناعي في المنطقة، مستندة إلى مجتمع طموح يواكب في طموحه تطلعات الدولة، ويستثمر التقنية لرفع كفاءة الإنسان وتعزيز دوره في الاقتصاد.
وعندما ننظر إلى التجربة اليابانية، نجد أنها أثبتت قبل عقود أن التقنية قادرة على النهوض بالاقتصاد دون الحاجة إلى تدفقات كبيرة من الأيدي العاملة، وهو ما يؤكد أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قرار إستراتيجي يمكن الدول من تعويض محدودية التعداد السكاني وبناء قوة اقتصادية تتخطى حدودها السكانية.
اليوم تبني المملكة مسارها الخاص، مساراً يرتكز على تمكين الإنسان بالتقنية، وبناء اقتصاد لا يقاس بعدد السكان بل بالقيمة التي ينتجها، ومع هذه الاستثمارات الضخمة تكتب المملكة العربية السعودية فصلاً جديداً في التحول والتنمية، وتؤسس لاقتصاد مستدام يقوده الابتكار والتقنية ويعتمد على الإنتاجية بوصفها معيار القوة الجديد.