د. سطام بن عبدالله آل سعد
حين تُدار الخطط التنموية بدون دراسة سكانية دقيقة، يدفع الاقتصاد ثمن المفاجآت. وحين تُدار على ضوئها، يصبح الإنفاق أكثر إصابة، والتنمية أكثر عدلًا. فقيمة الديموغرافيا لا تتوقف عند عدد السكان، وإنما تتجلى في فهم حركتهم وتحولاتهم، عبر تبدّل التركيب العمري، واتجاهات الهجرة الداخلية، وتغيّر بنية الأسرة ومسؤوليات الإعالة، وتفاوت الخصوبة بين المناطق. وهذه المتغيرات ليست اجتماعية فقط؛ إنها اقتصادية بامتياز، لأنها ترسم ملامح سوق العمل، وتحدد حجم الطلب على الخدمات، وترفع كفاءة الإنفاق، وتدعم الاستقرار الاجتماعي.
عمليًا، تمنح الدراسات السكانية لغة مشتركة بين قطاعي الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، لأنها تُحوّل «السكان» من خلفية عامة إلى منصة موحّدة للسياسات، كالتوظيف، والإنتاجية، والحماية الاجتماعية، والإسكان، وجودة الحياة. فالخطأ الشائع أن يُدار كل ملف وكأنه جزيرة منفصلة، بينما الواقع أن أي تغير ديموغرافي ينعكس فورًا على سوق العمل والدعم الاجتماعي معًا.
في الموارد البشرية، تنقل الدراسات السكانية القرار من سؤال قصير الأجل: «كم وظيفة نحتاج هذا العام؟» إلى سؤال بنيوي: «كيف سيبدو عرض العمل خلال عشر سنوات؟». فهي تكشف أحجام الفئات العمرية القادمة لسوق العمل، ومستويات التعليم وتخصصات الخريجين، وتوزعهم المكاني، وأنماط انتقالهم بين المدن. كما تعيد تعريف البطالة بوصفها «خريطة» لا رقمًا؛ تتشكل بحسب العمر والنوع والمهارة والمنطقة وسهولة الوصول للوظائف. ومن دون هذا التشخيص، تفقد برامج التوظيف دقتها في التوجيه، وتضعف قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة.
وتتأكد قيمة هذا التشخيص حين يُربط بالتدريب والتأهيل. فالدراسات السكانية تساعد على تضييق فجوة المهارات عبر تحديد التخصصات الزائدة والمهارات النادرة ومناطق الطلب الفعلية، بدل إنتاج حلول عامة لا تراعي تغير الاقتصاد وسرعة التحول التقني. وهي تفسر كذلك المشاركة الاقتصادية للمرأة والشباب باعتبارها منظومة متكاملة لا قرارًا منفردًا؛ ترتبط بالحضانة والنقل وساعات العمل وأدوار الرعاية داخل الأسرة وأنماط السكن، وهي عوامل حاسمة في الاستقرار الوظيفي والاستمرار.
وإذا كانت هذه العوامل تُقرأ داخل المؤسسة وسلوك العامل والأسرة، فإن قراءتها على مستوى المدينة والإقليم تكشف أثر التحضر والهجرة الداخلية بوصفه ضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا في آن واحد. فانتقال السكان نحو المدن الكبرى يرفع الضغط على الإسكان والتنقل والتعليم والصحة، ويخلق أشكالًا جديدة من الفقر الحضري. والفارق بين إدارة الأزمة وإدارة المستقبل هو امتلاك قراءة سكانية استباقية: أين سيتوسع العمران؟ وما حجم الطلب المتوقع على الخدمات؟ وكيف تُصمم سياسات توازن إقليمي تخفف الهجرة القسرية الاقتصادية؟
ويظهر «البعد السكاني الخفي» كذلك في الإنتاجية والاحتفاظ بالكفاءات؛ فالإعالة، واتساع الأسر، وتكاليف السكن والتنقل، وتفاوت الخدمات بين المناطق تؤثر على الالتزام والاستقرار الوظيفي. ولهذا تصبح السياسات الأكثر واقعية هي التي تراعي دورة حياة العامل والأسرة، وتتيح مرونة العمل، وتبني مزايا مرتبطة بالسياق المكاني، بدل افتراض أن الإنتاجية قرار إداري منفصل عن شروط الحياة.
ولأن الفصل الإداري بين «سوق العمل» و«الدعم الاجتماعي» قد يتحول إلى فصل في السياسات، فإن الدراسات السكانية توحّد الملفات عبر منظور «مسار الحياة»؛ من الطفولة والتعليم إلى الدخول لسوق العمل وتكوين الأسرة ثم الشيخوخة. فالعاطل عن العمل ليس ملف توظيف فقط، والمرأة الراغبة في العمل ليست قضية سوق فحسب، والشباب موجة ديموغرافية إن لم تُستوعَب تتحول إلى ضغط اقتصادي واجتماعي، كما أن الشيخوخة والإعالة ليست أرقام رعاية فحسب بل معادلة دخل وإنتاجية واستقرار.
ولكي تتحول الديموغرافيا من معرفة إلى قرار، لا بد من أدوات تنفيذية تُبنى على إسقاطات سكانية دقيقة، وتحليل ديموغرافي لسوق العمل، وتحليل مكاني يوزّع الاحتياج على الخرائط وفق الأحياء والمحافظات - لا وفق «متوسطات عامة» تُخفي الفوارق داخل المدينة أو المنطقة - إضافة إلى لوحات مؤشرات مترابطة وتقييم أثر للبرامج لمعرفة ما الذي ينجح، وأين، ولِمَن. ومن دون ذلك تبقى التقارير- مهما بدت جميلة - عاجزة عن تغيير القرار، وتظل التكلفة عالية والمردود محدودًا.
لذلك، الدراسات السكانية هي عمود التخطيط في الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية؛ فهي تضع القرار في زمنه الصحيح مبكرًا، وتربط البرامج بأثرها، وتُعيد توزيع الموارد بميزان العدالة.