صالح الشادي
في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام مجتمع يتغير في جوهره، أم أمام أمة تتطور في أدواتها ومعطياتها مع التمسك بأصالتها؟ الحقيقة التي تثبتها المسيرة اليومية أن السعودية تشهد تطوراً مذهلاً في البنى التحتية والتقنية والخدمية، بينما تظل ثوابت الأخلاق والقيم والمبادئ والإنسانية كما كانت، بل أقوى، وهذا هو الفارق الجوهري بين التطور والتغير.
لا يمكن لأي متابع أن يتجاهل الطفرة النوعية التي تعيشها المملكة في كل المجالات. ففي مجال التقنية، أصبحت السعودية من أكثر دول العالم تقدماً في تبني الذكاء الاصطناعي وتطبيقات المدن الذكية، حيث تحتل مركزاً متقدماً في مؤشرات الحكومة الرقمية على مستوى العالم. وفي البناء والعمران، تُغير مشاريع «نيوم» و»القدية» و»البحر الأحمر» خريطة المنطقة، معادلةً المفاهيم التقليدية للتطوير العمراني. وفي التعاملات، تحولت الخدمات الحكومية إلى منصات إلكترونية اختصرت الوقت والجهد، بينما شهدت البنية التحتية نقلة تاريخية في النقل والطاقة المتجددة والاتصالات. كل هذا يندرج تحت مفهوم التطور الطبيعي، وهو مسار حضاري ضروري لأي أمة تسعى لمواكبة العصر وخدمة مواطنيها.
لكن اللافت في هذه المسيرة أن هذا التسارع التقني والعمراني لم يأت على حساب القيم. فـ»المعدن الأصيل» للإنسان السعودي لم يتغير، وظلت الأخلاق من كرم وشجاعة وإيثار ووفاء هي العنوان الأبرز للمجتمع. أما المبادئ المستمدة من الدين الإسلامي والتراث العربي الأصيل، فما زالت تشكل الإطار الحاكم للعلاقات الاجتماعية والأسرية. لقد حافظ المجتمع السعودي على تقاليده الراسخة في البر وصلة الرحم وإكرام الضيف، بل إن هذه القيم وجدت مساحات أوسع للانتشار في ظل الرخاء والاستقرار. فالكرم السعودي لم يتراجع مع التطور، بل تجلَّى في مواقف عديدة تزيَّن بها السعوديون داخل المملكة وخارجها. والعلاقات الأسرية ما زالت متينة، تقوم على التكافل والحب والاحترام.
هنا تكمن روائية النموذج السعودي: القدرة على الجمع بين حداثة التطوير وأصالة القيم. فالتطور في المجال التقني والعمراني لا يعارض الثبات في المجال الأخلاقي والإنساني، بل هما متكاملان. التطور يخدم المجتمع ويحسن حياتهم، بينما تحفظ القيم هوية المجتمع وتضمن استقراره. وهذا بالضبط ما أكدته رؤية 2030، التي قادها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد -حفظه الله-، والتي جاءت لتضع إطاراً إستراتيجياً يواكب المستقبل من دون المساس بالثوابت. فالرؤية لم تكن مجرد خطة اقتصادية، بل كانت رؤية حضارية شاملة تعلي من شأن الإنسان وتعزِّز قيمه، مع فتح الآفاق للابتكار والمنافسة العالمية.
وفي الواقع اليومي، نشاهد نماذج عملية لهذا التكامل. ففي مواسم الأعياد والأفراح، تظهر العادات والتقاليد بكل بهائها، مع استخدام أحدث وسائل التواصل لتهنئة الأهل والأصدقاء. وما زال إكرام الضيف سمة بارزة، وتطورت أساليبه لتناسب متطلبات العصر دون التفريط في جوهره. كما تطورت منصات العمل الخيري بشكل رقمي كبير، لكن الدافع الأصلي ظل هو نفسه: البذل والعطاء. ورغم الانشغالات، حافظت الأسر السعودية على تجمعاتها وروابطها، مستفيدة من التقنية لتقوية هذه الروابط عندما تفصل المسافات.
السعودية اليوم تقدم للعالم نموذجاً فريداً يجيب على إشكالية العلاقة بين التراث والحداثة. لقد تطورنا في كل ما يخدم الإنسان ويرتقي بحياته، لكننا لم نتغير في قيمنا ومبادئنا وعلاقاتنا الإنسانية. هذا هو التوازن الحضاري المنشود، وهذا هو الطريق الذي يجعل من التطور قوة دافعة للحفاظ على الهوية، لا عاملاً لمحوها. فالبناء الحضاري الحقيقي هو الذي تقوم جدرانه على أسس راسخة من القيم، وتتزيَّن واجهاته بلمسات العصر وتقنياته.