غسان برنجي
«سنواصل المسير بثبات نحو تحقيق أهدافنا، مستعينين بالله عز وجل ومتوكّلين عليه».
بهذه العبارة الموجزة افتتح صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، مرحلة جديدة من الرؤية الاقتصادية للمملكة، في رسالة لم تكن موجهة للاقتصاديين وحدهم، ولا لصناع القرار فقط، بل للمجتمع السعودي بأسره.
فالعبارة - رغم قصرها - حملت من المضامين ما يكشف انتقال الاقتصاد الوطني إلى مستوى أكثر رسوخًا وثقة واستدامة. لقد جاءت ميزانية 2026 لتؤكد أن المملكة لا تتعامل مع الاقتصاد بمنطق الاستجابة اليومية، ولا بمنطق «إطفاء الحرائق»، بل وفق نموذج تخطيطي بعيد المدى يقوم على قياس الأثر، وتعظيم القيمة، وإحكام الحوكمة، وصناعة اقتصاد يقوم على تنويع المحركات لا على عامل واحد.
وهو ما جعل العبارة الافتتاحية لسمو ولي العهد تعبيرًا دقيقًا عن لحظة مفصلية في بناء الاقتصاد الوطني.
مرحلة تعظيم الأثر.. ومعنى الثبات في لغة الاقتصاد
تمر رؤية المملكة 2030 بثلاث مراحل:
مرحلة البناء (2016 - 2020)، ومرحلة التنفيذ (2021 - 2025)، ثم المرحلة التي نقف على أعتابها اليوم: مرحلة تعظيم الأثر (2026 - 2030).
والانتقال إلى هذه المرحلة ليس مسألة تنظيمية، بل إعلان واضح بأن التأسيس اكتمل، وأن المملكة أصبحت في وضع يسمح بالتركيز على النتائج، وتأثير كل مشروع على جودة الحياة، وكفاءة الإنفاق، والمساهمة الاقتصادية.
وفي مؤتمر الميزانية، أوضحت وزارة المالية أن 93 % من الأهداف الإستراتيجية للرؤية تسير في الاتجاه الصحيح، وأن 85 % من المبادرات في مرحلة تنفيذ متقدمة، وأن المملكة تعمل على 299 مشروعًا وطنيًا ضخمًا.
وهذه الأرقام - بمقاييس الاقتصاد العالمي - ليست مجرد معدلات إنجاز، بل مؤشر استقرار وفاعلية وقدرة على إدارة مشاريع تتجاوز حجم العديد من اقتصادات الدول مجتمعة.
فالاقتصاد الذي يملك القدرة على التخطيط لخمسة أعوام مقبلة دون اضطراب هو اقتصاد مكتمل البنية، وواثق في مصادر قوّته، وغير معتمد على عنصر واحد في النمو.
ومن هنا جاءت عبارة سمو ولي العهد لتعبّر عن هذا الاستقرار: الثبات ليس وصفًا للحركة بل وصفًا للاتجاه.
ميزانية 2026.. نموذج اقتصادي لا يشبه تقلبات العالم
في الوقت الذي شهد فيه العالم اضطرابات اقتصادية، وارتفاعات حادة في معدلات التضخم، وتقلبات في أسعار الطاقة، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، أعلنت المملكة ميزانية 2026 بنبرة هادئة ومستقرة، لتؤكد أن الاقتصاد الوطني بات محميًا بقاعدة متعددة المحركات، تشمل:
- الاقتصاد الرقمي والتقني.
- السياحة والترفيه.
- التصنيع وسلاسل الإمداد.
- مشاريع المدن الضخمة.
- اقتصاد المحتوى المحلي.
- الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
- الخدمات اللوجستية والنقل.
- الاستثمار في رأس المال البشري.
لم يعد النفط هو القائد الأوحد لدورة الاقتصاد السعودي، بل أصبح «أحد» محركاته، إلى جانب منظومة واسعة من القطاعات التي تنمو بوتيرة غير مسبوقة.
ومن هذا المنظور، لم تعد الميزانية بيانًا سنويًا يُقرأ بطريقة تقليدية، بل وثيقة اقتصادية تُظهر كيف أصبحت المملكة تتحرك بثقة في أسواق مضطربة.
التعليم في مستهدفات 2026.. من النظام التقليدي إلى «اقتصاد المواهب»
جاءت مستهدفات التعليم ضمن ميزانية 2026 لتعكس تحوّلًا نوعيًا في فهم الدولة لدور التعليم.
فلم يعد الاستثمار في التعليم يهدف إلى تحسين الاختبارات والمعايير الأكاديمية فقط، بل أصبح جزءًا من بناء اقتصاد قائم على المهارات.
أبرز المستهدفات كما وردت في وثيقة المواطن 2026:
- ابتعاث 325 معلمًا ومعلمة إلى الصين لدراسة اللغة الصينية في أرقى الجامعات.
- رفع نسبة الملتحقين بسوق العمل من خريجي التعليم العالي إلى 62.1 % خلال 6 أشهر من التخرج.
- رفع مستوى التحصيل العلمي في أكثر من مجال تخصصي.
- التوسع في مدارس الموهوبين ليصل العدد إلى 16 مدرسة للبنين والبنات.
- إطلاق المرحلة الثانية من المنصة الوطنية «قبول» لتشمل الجامعات الحكومية والإضافية والكليات العسكرية.
- زيادة نسبة الملتحقين بسوق العمل من خريجي التعليم التقني إلى 59.1 % خلال 6 أشهر من التخرج.
- انضمام 3 مدن سعودية إلى شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم.
هذه الأرقام تعكس إدراكًا وطنيًا بأن الاقتصاد القادم يحتاج إلى مهارات جديدة، وإلى مخرجات تعليمية قادرة على مواكبة التحولات التقنية ومتطلبات السوق.
فالتعليم هنا يتحول من «وسيلة للتوظيف» إلى «محفّز للنمو الاقتصادي»، ومن مدرسة إلى «مصنع لإنتاج الكفاءات».
الذكاء الاصطناعي.. محرك اقتصادي لا يمكن تجاهله
أصبحت المملكة اليوم في مقدمة الدول التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه رافعة اقتصادية، وليس مجرد تقنية حديثة.
وتشير المشاريع الوطنية الجارية إلى تحرك متسارع في مجالات:
- تأسيس بنية سحابية وطنية متقدمة.
- تدريب مليون سعودي في الذكاء الاصطناعي.
- بناء شراكات دولية مع شركات وبنوك مركزية ومراكز بحثية.
- تطوير تشريعات لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
- تبنّي الوزارات لأدوات الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات.
- تعزيز الابتكار الرقمي عبر الجامعات والشركات الناشئة.
إن هذا التوجه يضع المملكة في موقع متقدم عالميًا، خصوصًا مع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة «الاقتصاد المعرفي العميق»، الذي تعتمد عليه الدول في رفع الإنتاجية وتحسين جودة القرار وتطوير بيئات العمل.
اقتصاد لا يعتمد على الطفرة بل على الاستمرارية
منذ إطلاق رؤية 2030، انتقلت المملكة من نمط اقتصادي يعتمد على ارتفاع أسعار النفط إلى نموذج يقوم على النمو المتدرج والمستدام، المرتبط بالتنوع الاقتصادي وكفاءة الإنفاق.
وتُظهر بيانات السنوات الماضية أن الاقتصاد السعودي استطاع:
- خفض البطالة إلى مستويات تاريخية.
- مضاعفة أعداد السياح.
- توسيع قطاع الصناعة بأكثر من 1000 مصنع جديد.
- رفع حجم الصادرات غير النفطية.
- بناء بنية تحتية حديثة.
- زيادة حجم المحتوى المحلي في المشاريع الكبرى.
- جذب استثمارات عالمية النوعية،
- فتح أسواق جديدة في التقنية والطاقة المتجددة.
هذه المنجزات لا تنتمي إلى منطق «الطفرة»، بل إلى منطق الاستمرارية الذي يعتمد على إدارة مالية دقيقة، وتنظيم اقتصادي مرن، وحوكمة تقودها بيانات، وليس انطباعات.
التوازن المالي.. صمام الأمان الذي لا يراه الجميع
قد تبدو الميزانية في ظاهرها أرقامًا فقط، لكن ما وراء الأرقام هو الأهم.
فنجاح الدولة في الجمع بين:
- الاستمرار في المشاريع العملاقة.
- وتثبيت مستويات الإنفاق.
- دون الإضرار بالاستقرار المالي.
هو إنجاز اقتصادي كبير، يعكس قدرة المملكة على إدارة المخاطر وبناء اقتصاد لا يتأثر بتقلبات أسعار الطاقة.
تعتمد السعودية اليوم على نموذج متقدم في إدارة المالية العامة يقوم على:
- رفع كفاءة المصروفات.
- تنويع الإيرادات دون فرض أعباء إضافية على المواطن.
- تحسين الاستثمار الحكومي.
- تحفيز القطاع الخاص ليكون مساهمًا رئيسيًا في الناتج المحلي.
وبذلك أصبح التوازن المالي ليس هدفًا محاسبيًا، بل أداة إستراتيجية لحماية مشاريع المستقبل.
الإنسان محور التنمية.. والمستقبل ليس احتمالًا
بل قرار
من يقرأ وثائق الميزانية يلاحظ تركيزًا واضحًا على المواطن، سواءً في التعليم، أو الصحة، أو الإسكان، أو التوظيف، أو جودة الحياة.
وهذا يعكس توجهًا ثابتًا لدى الدولة بأن نجاح أي مشروع اقتصادي مرتبط أوّلاً بتمكين الإنسان. لذلك، جاءت الاستثمارات الوطنية في:
- المدن الذكية.
- تطوير البيئة التعليمية.
- دعم الأنشطة الرياضية والثقافية.
- تحسين النقل العام.
- تطوير الخدمات الصحية.
- خلق وظائف نوعية للشباب.
هذه المشروعات ليست رفاهية، بل بنية تحتية بشرية ضرورية لبناء اقتصاد مستقر وقادر على المنافسة.
ختامًا.. لماذا تشكل هذه المرحلة نقطة تحول؟
لأن الاقتصاد السعودي يدخل مرحلة غير قابلة للتراجع.
مرحلة تتقدم فيها المملكة بثقة نحو نموذج اقتصادي جديد، يقوم على:
- تنويع مصادر الدخل.
- تعظيم الأثر.
- بناء اقتصاد قائم على البيانات.
- تحسين الإنتاجية.
- دعم الابتكار.
- وتمكين الإنسان السعودي.
ولذا جاءت عبارة ولي العهد لتكون خلاصة كل ما سبق:
«سنواصل المسير بثبات».
إنها ليست جملة افتتاحية، بل عنوان مرحلة كاملة؛ مرحلة يتقدّم فيها الوطن نحو أهدافه بثقة، ويستمر فيها البناء دون توقف، ويظل فيها المواطن في مقدمة الاهتمام.
إنها رسالة إلى الداخل بأن المستقبل قرار، ورسالة إلى الخارج بأن السعودية ليست دولة تتأثر بالمستقبل.. بل دولة تصنع مستقبلها.