د. عبدالحليم موسى
لم يعد النسب حكاية تروى، ولا العائلة سرداً شفهياً تتناقله الأجيال حول الموائد، في عصر فحص الـDNA، صار الدم نفسه يتكلم بلا عاطفة، بلا رحمة، وبلا مراعاة لذاكرة تشكلت على الحب لا على الشيفرة الجينية. لقد دخل الإنسان المعاصر مرحلة غير مسبوقة، مرحلة يمكن فيها لاختبار مخبري صغير أن يهدم تاريخا عائليا كاملا، أو يعيد رسمه من جديد، من الحقيقة البيولوجية إلى الزلزال العاطفي.
وحين نقف على تجربة صدمة ستيف جوبز، التي كانت أكثر عمقا حين علم أن والده البيولوجي هو عبد الفتاح الجندلي، الرجل الذي كان يعيش في العالم نفسه دون أن يكون حاضرا في حياته، ندرك أن المعرفة لا تكون دائما خلاصا.
ورغم معرفته بذلك، رفض جوبز لقاءه، كأن الروح أغلقت بابا خشية أن تربك معنى الأبوة الذي استقر في وجدانه، بيد أنه في ذات التوقيت اختار أن يلتقي أخته البيولوجية منى سيمبسون، لا بدافع القرابة الجينية وحدها، بل بحثا عن انعكاس إنساني يشبهه؛ كان اللقاء معها محاولة لترميم سؤال الهوية دون هدم الماضي، وهكذا بدت تجربة جوبز درساً إنسانياً مؤلماً، مفاده أن ليست كل صلة دم تستحق أن تستعاد، وليست كل حقيقة قادرة على أن تحتضن.
الإنسان لم يكن عبر تاريخه الطويل بحاجة إلى مختبر كي يعرف من هو، كان يكفيه الاسم والذاكرة، والوجوه التي تشبهه، والحكايات التي تبدأ دائما بعبارة نحن عائلة، لكن العصر الحديث، باندفاعه نحو الحقيقة المطلقة، قرر أن يختصر هذا الإرث الإنساني كله في قطرة دم.
لم يأت فحص الـDNA بوصفه اختراعا طبيا فحسب، بل ظهر كتحول فلسفي عميق أعاد تعريف مفاهيم النسب، والهوية، والانتماء، فقد صار الدم يتكلم بلغة الأرقام، بينما وقفت العاطفة، للمرة الأولى في تاريخ الإنسانية، في موقع الدفاع، متهمة بالوهم، وبأنّها لا تصلح دليلا في محكمة العلم.
في الفلسفة الأخلاقية، لا تقاس الحقيقة بقيمتها العلمية وحدها، بل بقدرتها على العيش داخل الإنسان دون أن تحطمه، ونرى فحص الـDNA، رغم دقته المدهشة، غالبا ما يقدم كحقيقة عارية، بلا سياق، ولا تمهيد نفسي، ولا مراعاة لسنوات طويلة من البناء العاطفي، هنا تتحول المعرفة من نور كاشف إلى صدمة قاسية، لا تراعي هشاشة النفس البشرية.
في تجارب عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا، تحول فحص الأنساب من فضول معرفي إلى زلزال وجودي، إذ نرى رجالا في الخمسين والستين اكتشفوا فجأة أنّهم لم يكونوا آباء بيولوجيين، ونساء واجهن أسرارا دفنتها ظروف اجتماعية معقدة، فإذا بالعلم ينبشها بلا استئذان، وأبناء وجدوا أنفسهم معلقين بين اسم يحملونه، ودم لا يعرفونه، وهوية لم يعودوا واثقين من ثباتها.
وهنا يبرز سؤال مؤلم لا يمكن تجاوزه؛ هل سيتكرر في عالمنا العربي ما اعتاده المشاهد الغربي في برامج تلفزيونية صادمة، حين يقف القاضي ليعلن ببرود قانوني» أنت لست الأب»؛ مشهد تتحول فيه الحقيقة إلى فضيحة، وينهار فيه التاريخ العاطفي للأسرة أمام عدسات الكاميرا، ويغدو الألم مادة ترفيه، وفي تلك اللحظة لا يسقط اللقب وحده، بل تسقط سنوات من الاحتضان الأسري والذاكرة المشتركة، والخطر الحقيقي ليس في تكرار المشهد، بل في اعتياد المجتمع عليه، وفي انتقال القسوة من الشاشة إلى الواقع، حتى يفقد الإنسان حساسيته تجاه أسرته، ويصبح الانهيار خبرا عاديا لا يوقظ الضمير ولا يستدعي الرحمة. فالمشكلة لم تكن في الحقيقة ذاتها، بل في توقيت ظهورها، وطريقة فرضها، وغياب السؤال الأخلاقي البسيط، هل كل حقيقة يجب أن تقال؟
قبل أن يتدخل العلم، كانت الأبوة فعلا إنسانيا مركبا من رعاية، وحماية، وحضور، وتضحية يومية؛ لم يكن الأب مجرد مانح للجينات، بل مانح للمعنى، والاسم، والمكان في العالم، لكن فحص الـDNA أعاد تعريف الأبوة بوصفها علاقة بيولوجية صرفة، وكأن سنوات التربية الطويلة يمكن اختزالها في تسلسل جيني صامت.
في الغرب، أثارت هذه التحولات نقاشات قانونية وأخلاقية واسعة، فقد رفضت بعض المحاكم الأمريكية إسقاط الأبوة القانونية عن رجل ربى طفلا لسنوات، رغم ثبوت عدم الصلة البيولوجية، وكان هذا الموقف اعترافا ضمنيا بأن الأسرة ليست معادلة كيميائية، وأن المعنى أحيانا أصدق من الحقيقة العلمية، غير أن هذا الاعتراف القانوني لم يكن كافيا دائما لترميم ما تصدع نفسيا، فالعلاقة، حين يدخلها الشك، تفقد براءتها الأولى وتموت الثقة إلى مزبلة الشك.
لم يعد فحص الـDNA شأنا فرديا معزولا، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تتجاوز حدود الأسرة الواحدة؛ ففي المجتمعات الغربية، حيث تنتشر شركات فحص الأنساب التجارية، دخلت العائلات مرحلة جديدة من القلق الهادئ، قلق من اكتشاف أخ غير معروف، أو أصل مختلف، أو تاريخ عائلي لم يكن جزءا من الرواية المتداولة، حيث صار الماضي قابلا للمراجعة، لا عبر الذاكرة، بل عبر المختبر.
هذا الواقع أوجد ما يمكن تسميته بالشفافية القسرية، فلم يعد للفرد حق الجهل أحيانا، ولا للأسرة حق الاحتفاظ بسر قد يكون هو ما حماها من التفكك، فالعلم حين يتحول إلى سلطة، لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يفرضها، ويجعل الصمت موضع اتهام.
وقد لاحظ باحثون اجتماعيون في أوروبا أن هذا التحول أسهم في إضعاف العائلة الاوربية الممتدة، وتعزيز النزعة الفردية، وتآكل فكرة الستر الاجتماعي التي شكلت تاريخيا أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي، فالستر لم يكن كذبا، بقدر ما كان آلية إنسانية لحماية العلاقات من الانهيار.
تقف الفلسفة الأخلاقية الحديثة اليوم في مأزق حقيقي، حيث لا يمكن إنكار قيمة المعرفة ولا شرعية التقدم العلمي، كما لا يمكن تجاهل الأضرار النفسية والاجتماعية التي تخلفها هذه المعرفة حين تستخدم بلا ضوابط أخلاقية واضحة، فالتقنية حين تنفصل عن الحكمة، تفقد حيادها، وتتحول إلى قوة ضاغطة على الإنسان بدل أن تكون في خدمته.
في المجتمعات العربية، لا يزال فحص الأنساب محدود الانتشار، غير أن التأثير الثقافي الغربي يتقدم بثبات، ومع انتشار المنصات الرقمية، بدأت فكرة معرفة الأصل تقدم بوصفها حقا فرديا مطلقا، دون اعتبار لخصوصية النسيج الاجتماعي أو لمنظومة القيم القائمة على الثقة والانتماء الجمعي؛ فالمجتمعات العربية ليست رافضة للحقيقة، لكنها بحكم تجربتها التاريخية أكثر وعيا بأنّ بعض الحقائق تحتاج إلى توقيت، وإلى سياق، وإلى عقل رحيم قبل أن تقال، فليس كل صراحة شجاعة.
سيبقى فحص الـDNA إنجازاً علمياً مهماً، غير أنّ قيمته الحقيقية لن تقاس بدقته المخبرية، بل بمدى قدرتنا على تطويعه داخل إطار أخلاقي يحمي الإنسان قبل أن يكشفه؛ فالمجتمعات لا تبنى على الحقائق وحدها، بل على القدرة على التعايش معها دون أن تنكسر، فالدم قد يحمل أسرارنا، لكن العاطفة هي التي تمنحنا المعنى، وبين الاثنين تقف الإنسانية مطالبة بألا تجعل الحقيقة سكينا، بل نور يستخدم بحذر، ورحمة، ومسؤولية.
وفي الختام، علينا أن نختار بين الإنسانية واستقرار الأسرار، وبين كشف الأسرار والحقائق البيولوجية حين يتكلم الدم.