عبدالكريم بن دهام الدهام
في سعوديتنا الحبيبة هناك مناطق لا تكتفي بأن تُشاهد فحسب، بل تعلمنا كيف نستمع لها، ومنطقة الحدود الشمالية هي واحدة من تلك الأماكن التي تنجح دوماً في منح الزائر من أنحاء المملكة ودول الخليج لحظات يتوقف فيها ليكتشف في صمت السهول والهضاب والأودية والشعاب ما لم يجده في مناطق أخرى، وهو ما نجده في الأجواء الشتوية المميزة في منطقة الحدود الشمالية، التي تمثل بوابة تُفتح أشرعتها على قدرات وإمكانيات منطقة، تعلم بشكل جيد كيف تخفي حسنها في التفاصيل.
فمن بين تنوع تضاريسها، تطل علينا منطقة الحدود الشمالية في شبه هذا الوقت من كل سنة لتعيد تكوين علاقتنا بالمكان الذي يروي حكاية تاريخ إمارة وحضارة رحبة وتراث أصيل.
في كل جزء من منطقة الحدود الشمالية بمدنها ومحافظاتها، تحس بأن المنطقة تقدم نفسها بكل جديد ومفيد وجهة شتائية سياحية رائعة، وصفحة تدوّن عليها رواية المكان، فبراريها مثل «الهبكة»، و«الحماد»، و«الحنظليات»، و«لينة»، و«الأقرع»، و«الحدقة»، و«الشعبة»، و«لوقة»، و«الركعا»، و«زهوة»، و«القرية»، و«الغرابة» في هدوئها، تحث الزائر ليجدد قراءة جغرافيا المكان بأسلوب مختلف.
ومع كل خطوة يخطوها الزائر على ضفاف حدائقها ومتنزهاتها ومضامير مشاتها، يفهم أن منطقة الحدود الشمالية ليست مجرد منطقة، بل تجربة تاريخية واجتماعية وثقافية ملهمة.
وفي هذا العام، أهدتنا محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية، مهرجان «شتاء درب زبيدة»، تحت شعار «ميّل وتلقانا»، حيث منح المنطقة صوتاً خاصاً، وكشف عن جمالها وما تتمتع به من هوية وتراث عريق، وجعل منها وجهة شتوية متكاملة، إلى غير ذلك من المهرجانات، مثل مهرجان الصقور ومهرجان السمن ومهرجان السدو ومهرجان سهيل.
في المخيمات الموسمية العائلات والشباب تتعدّى القصص مع الموروث، وتسترجع المنطقة أحداثها أمام أهاليها الذين يعشقون تفاصيل تراثهم المحلي، وفي المساحات التي تزينها «شبّات الضوء» التي تجلب الدفء، وتطل علينا الفنون الشعبية ويجود شعراء المنطقة بقصائدهم العذبة، ويأتي موسم جني الكمأة وما ستخلله من متعة في البحث واللقط والبيع، ويتقدم أصحاب المواهب والأسر المنتجة من الأهالي بالأكلات الشتوية الغنية، مثل المليحية والفتيتة والحميسة والتشريب والمرقوق، ليؤكدوا أنهم جزء من روح منطقة الحدود الشمالية وحكاياتها العذبة والملهمة.
الشتاء في منطقة الحدود الشمالية لا يروّج للمكان فحسب، وإنما يعيد إليها الحياة، ويستقطب إليها الزوار من أنحاء المملكة ودول الخليج؛ ليكونوا شاهدين على بساطة المنطقة وجمالها الأخّاذ.