د. الجوهرة بنت فهد الزامل
في ظل رؤية 2030، أصبح التوازن بين العمل والأسرة مفتاحاً لمجتمع مستدام وإستراتيجية وطنية، تدعم الإنتاجية، تماسك الأسرة، جودة الحياة، والنسيج المجتمعي من خلال استقرار داخلي قوي.
وسط الحراك الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه المملكة بفضل رؤية 2030، يبرز تحدي التوفيق بين متطلبات العمل المهني والحياة الأسرية كأولوية مجتمعية.
ارتفعت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل إلى نحو 36 %. هذا يجعل التوازن بين العمل والأسرة أمراً حيوياً للحفاظ على الاستقرار النفسي والاجتماعي، ويعزز الإنتاجية الوطنية. هذا التوازن يُعد استثماراً استراتيجياً يدعم تماسك الأسرة كأساس لمجتمع مستدام، ويتماشى مع برنامج جودة الحياة في الرؤية.
الأسرة تمثل الركيزة الأساسية للمجتمع السعودي، ومصدر الأمان العاطفي والانتماء، ففي ظل التغيرات الاجتماعية السريعة يعزز التواصل الأسري الفعلي قيم الانتماء لدى الأجيال الشابة، ويبني مستقبلاً واعداً يعكس هويتنا الوطنية.
يظهر أثر التوازن بوضوح في الصحة النفسية والجسدية؛ فالإرهاق الناتج عن ضغوط العمل يؤدي إلى مشكلات مزمنة، بينما يتمتع الأفراد المتوازنون بقدرة أعلى على الإبداع والتعامل مع التحديات.
في السعودية، التي احتلت المرتبة الأولى إقليمياً والـ35 عالمياً في مؤشر توازن العمل والحياة لعام 2025، ينعكس هذا إيجاباً على الأداء المهني والاستقرار الأسري.
التوازن لا يعزز الصحة النفسية فحسب، بل يرفع الإنتاجية ويخفض معدلات الغياب والإرهاق، مما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني ويقوي استدامة المجتمع.
بالنسبة للمرأة السعودية العاملة، يمثل التوازن تحدياً خاصاً بسبب الأدوار التقليدية، الوقت المخصص للأسرة يعزز الروابط بين الوالدين والأطفال ويبني جيلاً قادراً على المساهمة في التنمية الوطنية.
الأسرة المتماسكة حجر أساس لمجتمع متماسك، يعكس قيم الرؤية في تعزيز جودة الحياة.
تظهر أهمية ترتيب الأولويات بذكاء في إدارة الوقت، خاصة مع انتشار العمل المرن والذي عن بعد في القطاعين العام والخاص. يمضي الفرد وقتاً كافياً في العمل بكفاءة دون استنزاف الطاقة، كما يحتفظ بالوقت الضروري لتعزيز الروابط الأسرية، مع تخصيص لحظات للراحة والهوايات كجزء من برنامج جودة الحياة. هذا الترتيب يحول التوازن إلى أداة عملية تدعم أهداف الرؤية في رفع الإنتاجية.
توازن الفرد لا يتحقق بمعزل عن بيئة العمل، التي تلعب دوراً جوهرياً في دعم قدرة الموظف على الوفاء بالتزاماته المهنية والشخصية.
تشكل بيئة العمل الداعمة مفتاحاً للتوازن في السعودية، فقد ساهمت تعديلات نظام العمل في تعزيز المرونة، مثل إجازة الأمومة 12 أسبوعاً مدفوعة الأجر، وإجازة الأبوة 3 أيام. كما تبنت جامعة الأمير سلطان تجربة رائدة بتخصيص يوم الثلاثاء أسبوعياً للعمل والدراسة عن بُعد، بهدف تسهيل الدراسة والعمل، والاستفادة من التقنيات الرقمية، وضمان استمرارية العملية التعليمية والإدارية، مع تخفيف الضغوط اليومية وتعزيز الإنتاجية.
برنامج “قرة” يدعم حضانات الأطفال للعاملات بتغطية تصل إلى 50 % من التكاليف، مما يخفف الضغوط الأسرية ويعزز مشاركة المرأة.
القيادات الداعمة توفر برامج رفاهية نفسية، مما يرفع الإنتاجية ويحقق استقراراً اجتماعياً يتماشى مع رؤية 2030.
يحتاج التوازن إلى دعم مجتمعي، مثل توسيع رياض الأطفال والمرافق الترفيهية ضمن برنامج جودة الحياة، الأسر المتماسكة تنشئ أطفالاً يحملون قيم التعاون والانتماء، مما يقوي النسيج الاجتماعي ويعد الأجيال لمواجهة التحديات.
ولتحقيق هذا التوازن على المدى الطويل، يُقترح:
1 - تعزيز ثقافة التوازن عبر التعليم والتوعية، مع التركيز على الأسرة كمركز دعم.
2 - تطوير مؤشرات وطنية لقياس التوازن، مثل رضا الأسر عن الوقت المخصص والصحة النفسية، مع نشر نتائجها سنوياً لتقييم فعالية السياسات وتحسينها بما يتوافق مع أهداف الرؤية.
3 - توسيع المرونة العملية، خاصة في القطاع الخاص، وتعميم برامج مثل «قرة».
4 - الاستثمار في الدعم الأسري، عبر استشارات ودورات تواصل، وإنشاء لجنة وطنية ترصد التوازن كمؤشر تنموي.
من خلال تبني هذه الخطوات الإستراتيجية، يمكن تعزيز جودة الحياة وتحقيق التنمية المستدامة التي تسعى إليها الرؤية.
يمثل التوازن بين الحياة العملية والأسرية استثماراً استراتيجياً في مستقبل المملكة، ويضمن أسرة قوية ومجتمع منتج، قادر على بناء مستقبل واعد للأجيال القادمة. كل خطوة نحو هذا التوازن تعزز النسيج المجتمعي، وتدعم التنمية الوطنية المستدامة من خلال استقرار اجتماعي قوي ومتماسك.