فاطمة آل مبارك
في مسار بناء الدول، لا تُقاس القرارات الإدارية فقط بقدرتها على حل الإشكالات الآنية، بل بمدى استدامة أثرها، وقدرتها على الاندماج في حياة الناس دون إرباك أو صدام. واعتماد الأول من شهر رجب تاريخًا رسميًا لميلاد شريحة واسعة من المواطنين يُعد نموذجًا عمليًا لقرار إداري نجح في تحقيق هذا التوازن.
تشير التقديرات إلى أن عددًا كبيرًا من المواطنين يعتمدون الأول من رجب كتاريخ ميلاد مدوَّن في الهوية الوطنية، وغالبيتهم ممن تجاوزوا الخمسين عامًا، إذ قبل التوسع في أنظمة الأحوال المدنية، كان الاكتفاء بسنة الميلاد أمرًا شائعًا في مجتمع أقل ارتباطًا بالإجراءات الرسمية ومع توسع الدولة، وبروز متطلبات التوظيف، والتقاعد، والتأمينات، والخدمات النظامية، ظهرت فجوة تنظيمية حقيقية وجاء الأمر السامي باعتماد منتصف السنة الهجرية، الموافق للأول من رجب، تاريخًا موحدًا يضمن العدالة الإجرائية، ويحقق الاتساق في السجلات دون تحميل المواطن عبء إثبات غير ممكن.
ويمكننا رصد أثر هذا القرار في ثلاثة مسارات رئيسية أولها الاستقرار الإداري، الأول من رجب أصبح تاريخًا مرجعيًا واضحًا في الإحالة إلى التقاعد، أنظمة الخدمة المدنية والتأمينات الاجتماعية، احتساب الأعمار النظامية في مختلف القطاعات هذا الوضوح قلَّل من النزاعات، وسهَّل اتخاذ القرار، ورفع كفاءة الإجراءات وكذلك مكَّن الجهات الحكومية من بناء أنظمة إلكترونية متسقة، دون الحاجة إلى استثناءات أو معالجة يدوية لحالات غير موثقة. وهو ما انعكس على سرعة الخدمات وجودتها بالإضافة إلى تحقيق العدالة التنظيمية، حيث وفَّر القرار قاعدة موحَّدة للتعامل مع شريحة كبيرة من المواطنين، دون تمييز، وبما يحفظ حقوقهم النظامية.
وبمرور أكثر من أربعة عقود على تطبيق هذا الإجراء، أصبح هذا التاريخ نقطة تلاقي اجتماعية بين جيل كامل فهو اليوم الذي يشترك فيه ملايين المواطنين، ويشكِّل عنصرًا موحَّدًا في حياتهم الرسمية والشخصية يوم ميلاد موحَّد ملفات وظيفية متشابهة كلها شواهد على أن القرار استقر في الذاكرة المؤسسية والاجتماعية معًا وهنا تكمن نقطة القوة. وبالنظر للتجربة في سياق عالمي نجدها منسجمة مع تجارب دولية مشابهة فبعد الحرب العالمية الثانية، اعتمدت اليابان تواريخ ميلاد موحَّدة لفئات فقدت سجلاتها. كما لجأت دول في أوروبا الشرقية وإفريقيا إلى حلول مماثلة عند بناء أنظمتها المدنية الحديثة القاسم المشترك في هذه التجارب هو أن تبسيط البيانات الأساسية كان شرطًا لبناء أنظمة فعَّالة.
وفي هذا الإطار، تبرز هذا العام مبادرة موسم الرياض بإقامة فعالية خاصة في الأول من رجب للمواطنين المولودين في هذا التاريخ، بوصفها حدثًا يعيد تسليط الضوء على يوم ظل حاضرًا في الذاكرة المدنية لعقود. وتقدّم هذه الفعالية نموذجًا حيًا لكيفية تفاعل الفعاليات العامة مع الخصوصيات المجتمعية، ومنحها بعدًا معاصرًا يعزِّز ارتباط الأفراد بالمشهد العام، ويحوّل التاريخ المسجّل في الوثائق إلى مناسبة جامعة ذات دلالة اجتماعية.
وفي الختام. يبقى هذا الجيل، بما تحلّى به من صبر ومسؤولية، ركيزة من ركائز الاستقرار الوطني، ونموذجًا يُحتذى للأجيال القادمة، سائلين الله أن يحفظهم، وأن يدم على الوطن وأبنائه الصحة والعافية والاستقرار.