د. سفران بن سفر المقاطي
في عالمٍ تُحاصرنا فيه الشاشات من كل اتجاه، لم تعد وسائل الإعلام مجرد قناة لنقل الخبر أو الترفيه، بل تحولت إلى قوة مؤثرة في تشكيل تصوراتنا عن الواقع ومعاييرنا للحكم عليه. هنا تبرز نظرية الغرس الثقافي بوصفها أحد أهم المداخل لفهم الأثر العميق والمتدرّج للمحتوى الإعلامي في الوعي الجمعي، ولا سيما ما يتصل بالسينما والدراما التلفزيونية ومنصات البث الحديثة.
تعود جذور النظرية إلى مشروع بحثي قاده عالم الاتصال جورج جربنر في سبعينيات القرن العشرين، حين انشغل بسؤال بسيط في ظاهره لكنه شديد التعقيد في نتائجه: ماذا يفعل التعرض اليومي والمتكرر للتلفزيون بعقول الناس؟ الخلاصة التي قدمها جربنر لا تقوم على فكرة «التأثير الفوري» لعمل واحد، بل على التأثير التراكمي لرسائل متشابهة تتسرب إلى الوعي عبر آلاف الساعات من المشاهدة. ومع مرور الوقت، لا يكتفي المتلقي باستهلاك القصص، بل يبدأ في تبني «واقع إعلامي» قد يتقاطع مع الواقع المعيش أو يبتعد عنه، لكنه ينجح في الحالتين في إعادة ترتيب المخاوف والتوقعات وصورة المجتمع في المخيلة العامة.
تفترض نظرية الغرس أن المحتوى المتكرر والمتجانس يصنع لدى الجمهور تصوراً عاماً عن العالم: من هم الأخيار والأشرار؟ ما حجم الخطر؟ ما شكل العدالة؟ كيف تعمل المؤسسات؟ هذا التصور لا يتكون دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجياً، ويصبح أكثر رسوخاً لدى من يطيلون التعرض للمحتوى مقارنة بمن يشاهدون على نحو محدود. لذلك ميّز جربنر بين «المشاهدين النهمين» و»قليلي المشاهدة»، موضحاً أن الفئة الأولى تميل أكثر إلى الاعتقاد بأن ما تراه على الشاشة يعكس الواقع كما هو، حتى لو كان الواقع المعروض مبالغاً فيه أو منتقى بعناية لخدمة الدراما والإثارة.
ومن المفاهيم المحورية في النظرية ما يمكن تسميته التجانس، أي ميل المشاهدين الأكثر تعرضاً إلى تبني رؤى متقاربة للعالم رغم اختلاف خلفياتهم الاجتماعية والثقافية، لأنهم يتلقون الرسائل نفسها بالقدر نفسه وعلى نحو متكرر. إلى جانب ذلك يأتي مفهوم الرنين، وهو حين تتقاطع تجربة الفرد الشخصية مع ما يشاهده على الشاشة، فتكتسب الرسالة قوة مضاعفة لأنها تبدو «مطابقة» لما يعرفه أو يمر به، فيزداد تصديقه لها ويصعب عليه فصلها عن الواقع. أما المفهوم الأشهر فهو «متلازمة العالم الشرير»، حيث توصل جربنر إلى أن الإفراط في التعرض لمشاهد العنف والجريمة يجعل بعض المشاهدين يعتقدون أن العالم أكثر خطراً مما هو عليه فعلاً، فيرتفع مستوى القلق وتشتد توقعات التهديد وتتوسع دائرة الشك، حتى تتحول المخاوف إلى عدسة دائمة لتفسير الأحداث والسلوكيات. ورغم أن النظرية نشأت في سياق التلفزيون التقليدي، فإن منطقها يظل صالحاً اليوم مع اتساع صناعة المحتوى المرئي وتحول المشاهدة إلى نشاط يومي مستمر عبر الهواتف ومنصات البث المرئي.
تتجلى آليات الغرس الثقافي بوضوح في صناعة الأفلام، إذ تقدم السينما سرديات مكثفة قادرة على إعادة تعريف ما يبدو «طبيعياً» أو «مقبولاً» في أذهان الجمهور. فعلى سبيل المثال أفلام الجريمة والرعب، تعتمد غالباً على تضخيم الخطر وتكثيف التهديد لرفع الإيقاع الدرامي، لكن تكرار هذا النمط قد يرسّخ صورة ذهنية عن مجتمع مسكون بالعنف، وعن شرّ يتربص في كل زاوية. وقد يدفع هذا النوع من التعرض المتواصل بعض المشاهدين إلى المبالغة في تقدير احتمالات الخطر في الحياة اليومية، أو إلى النظر إلى الآخر بوصفه مشروع تهديد، وهي نتائج لا تصنعها لقطة واحدة بقدر ما يصنعها الاعتياد على سردية بعينها.
وفي سياق مختلف، تبدو أفلام الأبطال الخارقين، رغم طابعها الخيالي، نموذجاً آخر للغرس من زاوية غير مباشرة. فهي كثيراً ما ترسم عالماً هشّاً على الدوام، لا ينجو إلا بتدخل «منقذ» استثنائي يمتلك قوة خارقة أو صلاحيات تتجاوز المؤسسية. هذا التكرار قد يغرس لدى بعض الجمهور تصوراً بأن العدالة لا تتحقق عبر القواعد والمؤسسات والرقابة، بل عبر فرد استثنائي يعلو على الجميع. ومع الوقت يمكن أن يؤثر ذلك على فهمنا معنى الأمن ودور الدولة وحدود السلطة، حتى وإن لم نشعر بهذا الأثر لحظة المشاهدة.
وعند الحديث عن الجريمة المنظمة، تقدم السينما مثالاً لافتاً على قدرة الصورة المتكررة على تعقيد الحدود الأخلاقية. فبعض الأعمال الكلاسيكية، ومنها سلسلة «الأب الروحي»، وإن كانت تعكس جوانب قاتمة من عالم المافيا وتكشف آلياته العنيفة، فإنها في الوقت نفسه تضفي على شخصياته مسحة من الرومانسية المرتبطة بالشرف والولاء والعائلة. ومع استمرار تداول صورة «المجرم النبيل» في أعمال متشابهة، قد يحدث نوع من التطبيع الرمزي يخفف من بشاعة الجريمة في الوجدان الإنساني العام، أو يجعل الشر يبدو قابلاً للتبرير إذا ارتدى ثوب القيم العائلية.
وتؤدي أفلام الحرب دوراً بالغ التأثير في الغرس الثقافي أيضاً، خصوصاً حين تُروى الصراعات من زاوية واحدة تُمجّد طرفاً وتختزل طرفاً آخر. التعرض المتكرر لهذه السرديات قد يغرس تصوراً مبسطاً لصراعات سياسية وتاريخية شديدة التعقيد، ويعزز الرواية الوطنية السائدة بوصفها الحقيقة الكاملة، بما يحقق مبدأ التجانس عبر توحيد النظرة إلى الحرب والوطنية والعدو. ولا تكمن المشكلة هنا في وجود زاوية نظر، فكل سردية تختار زاوية، بل في استمرار الزاوية الواحدة حتى تصبح بديلاً عن تعدد الحقائق والوقائع. ولا تتوقف آثار الغرس عند السياسة والحرب، بل تمتد إلى صور المهن والطبقات والأنماط الاجتماعية. السينما كثيراً ما تقدم قوالب جاهزة عن رجال الأعمال بوصفهم مرادفاً للجشع والانحلال، أو عن المحامين بوصفهم قادرين دائماً على إنقاذ الموقف بخطبة أخيرة تقلب الموازين في اللحظة الحاسمة. تكرار هذه الصور يزرع توقعات غير واقعية وقد يؤثر على خيارات الشباب المهنية وعلى نظرة المجتمع إلى الاقتصاد والقانون، فيتحول الخيال إلى معيار ضمني للحكم على الواقع. أما أفلام الخيال العلمي، فتبدو أداة غرس لا للمستقبل فقط، بل للحاضر أيضاً، فعندما تتكرر صورة المستقبل الغامض المليء بالفجوات الطبقية والتكنولوجيا المتوحشة، فإنها لا تقدم تحذيراً سردياً وحسب، بل قد تعزز إحساساً بأن الانقسام الاجتماعي قدر محتوم، أو أن مصائر الناس محكومة بنظام لا يمكن تغييره. وقد يفضي ذلك إلى شعور عام بالقدرية أو السخط، بحسب السياق وطريقة التلقي.
ومع ذلك، ليست السينما مجرد آلة للغرس، فهي قادرة أيضاً على كشف آليات الغرس نفسها. بعض الأفلام الوثائقية التي تناولت صناعة الخبر وتحيزاته تفتح نافذة على كيفية تشكل «الحقيقة» داخل غرف التحرير، وتدعو المشاهد إلى الانتقال من دور المتلقي السلبي إلى دور المراقب النقدي. وفي الدراما الروائية، قدمت أعمال بارزة استعارات قوية عن مقاومة الواقع المفروض. «عرض ترومان» يصور رحلة إنسان يكتشف أن حياته مُصممة كمنتج إعلامي، فيتحول وعيه إلى فعل تحرر. و»المصفوفة» تطرح سؤالاً جذرياً عن طبيعة الواقع وحدود ما نعدّه حقيقة، كدعوة رمزية لتفكيك القناعات المغروسة. أما فيلم «شبكة» فيواجه صناعة الإعلام بنقد حاد، كاشفاً كيف يمكن تحويل الغضب العام إلى سلعة وكيف تُدار العواطف ضمن حسابات السوق.
وفي السنوات الأخيرة، تعاظمت أهمية نظرية الغرس الثقافي مع التحول من البث التقليدي إلى منصات رقمية تقودها الخوارزميات. لم يعد الجمهور يتلقى الرسالة نفسها على نحو جماعي فحسب، بل أصبح يتلقى «رسائل مفصلة» وفق تفضيلاته وتاريخه المشاهد، ما يصنع فقاعات محتوى تزيد من التجانس داخل كل فئة وتقلل من فرص الاحتكاك برؤى مختلفة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي في توصية المحتوى وتوليد المقاطع والتجارب الغامرة، تتوسع قدرة الصناعة على إبقاء المتلقي داخل مسار واحد من المعاني والانطباعات، فتزداد قوة الأثر التراكمي وتصبح آثاره أكثر خفاءً وتعقيداً.
خلاصة القول إن نظرية الغرس الثقافي لا تدعونا إلى العداء مع الشاشة، بل إلى فهمها. فالسينما بما تملكه من سحر وقدرة على الإقناع قد تغرس تصورات عميقة عن المجتمع والعدالة والخطر والهوية، لكنها في الوقت ذاته تستطيع أن تمنحنا أدوات تفكيك هذه التصورات إذا أحسنّا التلقي. الوعي الإعلامي لا ينتقص من متعة المشاهدة، بل يرفعها إلى مستوى أكثر نضجاً: أن نستمتع بالقصة، وأن نسأل في الوقت نفسه ماذا تكرر لنا القصة عن العالم، وما الذي تستبعده، وكيف يمكن أن تتحول المتعة إلى قناعة إذا غاب التفكير النقدي. وفي زمن انفجار المحتوى وتعدد قنواته وتسارع تقنياته، يصبح هذا الوعي شرطاً ضرورياً للحفاظ على استقلالية التفكير وقدرتنا على التمييز بين الواقع المصوّر والواقع المعيش.