عبدالله العولقي
تعلّق الطفلُ البرتغالي جوزيه ساراماغو بجمال الطبيعة في ريف لشبونة، فكان يفرحُ بالعطلة الصيفيّة لأنّه سيقضي أيّامه مع جدِّه وجدّته في القرية، وفي إحدى ليالي الصيف الهادئة تعرّضَ الجدُّ لسكتةٍ دماغيّةٍ مُفاجئةٍ ممّا اضطر الأسرة للعودة إلى العاصمة لشبونة، وهنا حدثت الصدمة النفسيّة لهذا الطفل صاحب الحساسيّة المفرطة لسببين، أولاً خوفه أنْ يتعرضّ جدُّه للموت، وثانياً حزنه على فراقِ القرية التي طالما تعلّق بها، لقد ركضَ الطفلُ ساراماغو باتجاه حديقة البيت وهو يبكي بكاءً مرّاً، وهناك عانقَ شجرةَ الزيتون بشدّة، لقد احتضنها وهو يعتقدُ جازماً أنّها تبكي هي أيضاً لفراقِه، ثم تركها ليتحضنَ شجرةَ التين، وهكذا ظلّ الطفل الصغير يحتضنُ الأشجارَ واحدةً تلوَ الأخرى ويبكي متألّماً حتى استلقى أخيراً على بساطِ العشب، واستسلمَ لقرارِ العودة مع أسرته إلى لشبونة!!.
لقدْ نشأَ هذا الطفلُ الحسّاسُ وبين جوانحه براءة الإنسانيّة وفطرة الطفولة التي لمْ تلوّثها أدخنة المدنيّة الاستهلاكيّة، فهكذا بقي ساراماغو في مشاعره النقيّة طيلة عمره المديد الذي قارب الثمانية والثمانين عاماً، ولكنّ التلوّث الوحيد في سيرته كان بُعْده عن فطرة الدّين وغريزة الإيمان، أمّا حول طفولته فقدْ تذكّر ساراماغو كلَّ هذه الذكريات البريئة ودوّنها في مذكراته، فهو يقول: إنْ ترى وأنْ تعيشَ بينَ كل هذه الأشياء في القرية ثمّ لا تترك فيكَ أثراً طيلة حياتك، فهذا يعني أنك لا تمتلك أي مشاعر!!.
لقد عاشَ ساراماغو طفولته وشبابَه وسْطَ ظروفٍ قاهرةٍ لمْ تُمكّنه من الاستقرار النفسي، فكانَ يُعاني من آلام الفقر وأوجاع العوز لدرجةِ أنّه تركَ مقعدَ الدّراسة مُبكّراً وامتهنَ أعمالاً عديدة، فاشتغل راعياً مع جدّه في القرية، وقدْ أشارَ إلى ذلك في مذكّراته حين قال: كنتُ أنقّبُ الأرض، وأجلبُ الحطبَ للمدفأة، وقمتُ لمراتٍ كثيرةٍ بإدارة دولاب بئر القرية، ونقلتُ الماءَ على كتفي مراتٍ عديدة، وما زلتُ أتذكّرُ تلكَ الأيام التي كنْتُ أذهبُ فيها مع جدّتي لجمعِ القشِّ حتى نستخدمَه كفراشٍ كي ننامَ عليه!!، كما عملَ أيضاً في صناعةِ الأقفال، ثمّ تحوّل إلى ساعي بريدٍ وبائعِ صُحف، ثمّ تعلّمَ ميكانيكا السيّارات وأصبحَ ماهراً في ممارستها، فهو يقولُ إنّ كل هذه المهن قد أعطته تجربةً واسعةً في الحياة، ومنحته أبعاداً في معرفةِ الناسِ وأخْلاقِهم وطبائعِهم، وهو الأمرُ الذي سكبه إبداعاً في رواياته التي تُرجمت إلى معظم اللغات العالميّة، ومن الجديرِ بالذكر أنْ نقول إنّ ساراماغو دخلَ عالمَ الأدبِ من باب الصدفة، ورغم هذه الصُّدْفة التي أهدتْ للإنسانيّة روائيّاً متميّزاً إلا إنّه لمْ ينلْ حظّه من الشهرة العالميّة إلا بعد الستين من عمره!!.
تعودُ حكايتُه الغريبة مع فنّ الكتابة إلى الحلم المفاجئ الذي اشتعلت جذوته فجأة في خيال ساراماغو وهو في الخامسةِ والعشرينَ منْ عُمُره، فيحكي في مذكّراته أنه نهض من نومهِ فجأة، ثمّ وقفَ أمام المرآة، وظلّ يتأمّلُ صورته، ثم قال مخاطباً نفسه: لقدْ حانَ الوقتُ لكي تكتشفَ يا سيّد ساراماغو ما إذا كنتَ قادراً على أنْ تُصبح كاتباً عظيماً!، وهنا بدأت قصة التحدّي مع الذات، وعندما صارحَ أصدقاءَه بهذا الحُلم شرعَ بعضُهم بالسخرية منه، وذلكَ لأنّهم يعلمونَ تماماً تفاصيلَ حياته السابقة، فهو بعيدٌ جداً عنْ عالمِ الكتابة، وقد امتهنَ أعمالاً عديدة في مواجهةِ الفقرِ والعوز، كما أنّ ثقافته البسيطة لا ترقى به لصعودِ سُلّم الأدب، فتعليمه يسير، وقراءاته غير عميقة، فهو يفتقدُ إذنْ إلى أبجديّات الثقافة، ولكنّ أصدقاءَه الآخرين شجّعوه على المضيِّ قدماً وراء رغبته، وحمّسوه للسّعي في تحقيق حلمه، فهؤلاء الفئة كانوا يُدْركون جيّداً قوّة نفسه ومدى إصرارهِ على تحقيقِ المستحيل!!.
لقدْ بدأَ مشوارهُ في عالمِ الكتابةِ عندما كتبَ روايته الأولى (أرض الخطيئة) التي لمْ يجدْ لها ناشراً، فقام أصدقاؤُه الداعمون له بجمع تكاليف طباعة خمسمائة نسخة، فكانت الخيبةُ تلاحقه حيثما حلّ وارتحل عندما لمْ يبتاعها أحدٌ من القرّاء، وهنا أدركَ أنّ القراءةَ هي وقودُ الكتابة، فقرّر أنْ يتوقفَ عن الكتابةِ قليلاً مقابل أنْ يُكثّفَ قراءاته في الكتب، ويزيدَ من اطّلاعاته في الأساليب اللغويّة والسرديّة حتى يُؤسّسَ شخصيّة روائيّة حقاً، ومنْ هنا بدأتْ محاولاتُه المتعدّدة لكتابة الرواية الفنيّة لكنّه رغم كلّ هذه الجهودِ العظيمة فقدْ لقيَ ساراماغو فشلاً ذريعاً في الوصولِ إلى الشهرة، وهكذا ظلّ يحاولُ ويحاولُ حتى وصلَ الخمسين من عمره دون أيِّ جدوى!!، وفي هذا السنِّ المتأخر اكتشفَ ساراماغو كما يقولُ في مذكّراته أنّ تجاربه السابقة لمْ تكنْ لها أيّ علاقة بالأدب، فهو لمْ يكنْ يعرفُ لماذا يكتب ولا كيف ينبغي أنْ يكتب؟، ومنْ هنا قرّر أنْ يبدأُ محاولة متميّزة ومختلفة عن تجارب ه السابقة، فيقولُ عنْ هذه التجربة: لقدْ بدأتُ أكتبُ بطريقةٍ جديدة، بضعَ جُملٍ طويلة، تمتزجُ فيها الأصوات المختلفة، وتتمازجُ بداخلها الشخصيّات بتناسقٍ روائيٍ رهيب، وهذه كانت نقطة التحوّل في مسيرتي الروائيّة!!.
وفي سنّ الستين، بدأتْ كتاباتُ ساراماغو ورواياته تُلفتُ أنظارَ النّقاد حولَ العالم تجاه تجربتهِ الثريّة، لقد تميّز ساراماغو بقدرته الفنيّة على استكشاف الزوايا المظلمة في حياةِ الإنسان، فكانَ يغوصُ في أعماق النّفس البشريّة وكأنّه يعيشُ بداخلها ليحكي للقرّاءِ أسرارَها وتناقضاتها، وحولَ شهرته التي جاءتْ متأخرةً كانَ يقولُ: لقدْ كنتُ مُؤمناً على الدوام بأنّ نجاحاً ما كان ينتظرني، حتى لو طالَ أمدُه فسوفَ يسقط في يدي مثل ثمرةٍ ناضجة، وهذا ما حصل!!، فقد اعتبره الناقدُ الأمريكيُّ الشهيرُ هارلود بلوم واحداً منْ أعظم العبقريّات الأدبيّة في التاريخ الحديث!.
لقدْ طافتْ شهرتُه الآفاق وقدْ تجاوزَ السّتين منْ عُمره، وعندها قرّرتْ لجنة جائزة نوبل العالميّة للأدب منحه الجائزة عنْ أهمّ أعماله الشهيرة، وأعني روايته (العمى)، هذه الروايةُ التي تحوّلت إلى أيقونةٍ فنيّةٍ ممّا جعلَ النقادُ يعتبرونها واحدةً من روائعِ الأدب العالمي، فقدْ تمّيزت رواية (العمى) بفرادة فكرتها، وقدرة ساراماغو السرديّة في كتابتها على تصوير مآسي البشر بصورٍ متعدّدةٍ ومتداخلة، فراحَ يتساءلُ من خلال فصولها عن مصيرِ العالم؟، وماذا سيحدثُ لو أُصيبَ جميعُ الناسِ بالعمى؟، حيث تدورُ الحبكةُ الروائيّة بداخلها حول وباءٍ غريبٍ يجتاحُ المدينة، فيُصابُ الأهالي بالعمى ثم يتحوّل المرضُ بعد ذلك إلى جائحةٍ تنتقلُ بالعدوى بين النّاس حتى يتقرّرَ فرض الحجر الصّحي على كلّ فاقدي البصر، وهنا يتحولُ كلُّ السكانِ إلى مكفوفين، فتنتشر الفوضى وتتضخّمُ النزاعاتُ وتنعدمُ الأخلاق والمبادئ حتى يصلَ الحالُ في النّهاية إلى أفولِ الحضارة، لقدْ كانّ السّردُ الرّوائي لساراماغو يُبدعُ فنيّاً عندما استثنى زوجة الطبيب التي لمْ تُصبْ بالعمى وحدها، ولكنها تتظاهرُ به منْ أجلِ البقاءِ مع زوجها الكفيف داخل المحْجر، لقدْ أبدعَ ساراماغو بإبقاءِ هذه السّيدة مثل الكاميرا التي تُصوّرُ ما يحدثُ بين هؤلاء العميان داخلَ الحجْرِ الصّحي، فمنْ خلالِ عينيها يرى القارئُ انهيارَ المجتمع وغيابَ الضميرِ وفقدانَ الأخلاقِ في مواجهة الأزمة، ففي هذه الرواية البديعة تتجلّى قدرة ساراماغو الفريدة على تصويرِ الانسانِ في أقصى درجاتِ ضعْفه وقوّته كما يقولُ النقاد، فقدْ حكى لنا كيف تكشف الأزمات عنْ أسوأ ما في الطبيعة البشريّة من أنانيّة وعنف، وكيف يمكن أنْ يكونَ فقدان الضمير أسوأ من فقدان البصر، وهذا ما حكتهُ زوجةُ الطبيب في نهاية القصة عندما قالت: لا أظن أنّنا عمينا، بلْ اعتقدُ أننا مجرد عميان يرون!، نحن بشرٌ عميان يستطيعون أنْ يروا لكنّهم لا يرون!!.
إنّ أهمّ ما يميزُ روايات ساراماغو كما يقولُ النقادُ هو قدرته الاستثنائية على الجمع بين السرد الأدبي العميق والأسئلة الفلسفيّة الكبيرة، فيثيرُ بذلك التفكير والنقاش حول الأخلاق والمبادئ التي يجبُ ألّا تتأثر بمظاهر المدنيّة ومغرياتها الاستهلاكيّة، وهنا نريدُ الانتقالَ إلى جُزءٍ مهمٍّ منْ سيرة ساراماغو وأعني علاقته الغراميّة مع زوجته الاسبانيّة ماريا بيلار والتي يعتبرها ملهمته الأولى في أعمالِه الروائيّة، حيث تعودُ قصة زواجهما عندما ذهبت ماريا بيلار إلى البرتغال للسّياحة، وفي مصْيفها ذلك، قرأتْ كلَّ أعمال ساراماغو المُترجمة إلى الإسبانيّة وانبهرت منْ عبقريّته السرْديّة، وعن طريقِ دار النشر، طلبتْ أنْ تلتقي بساراماغو لتجري معه حديثا صحفيّاً، إذْ كانت تعملُ في تلك السنوات في التلفزيون الإسباني وتنشرُ مقالاتٍ نقديّةٍ في صُحفٍ متفرقة، فقدْ أعادَ ذلك اللقاء رسم حياة ساراماغو كاملةً حتّى قيل إنّ زواجهما كان بمثابة الولادة الثانية لجوزيه ساراماغو، فقدْ وقعتْ الصّحفيّة في حبّ الرجل الذي يكبرها بثمانية وعشرين عاماً!، وتزوّجت به بعد سنتين منْ هذا اللقاءِ عام 1988م، يقولُ الكاتب الإسباني خوان تيبا: أنا على قناعةٍ تامّةٍ بأنّ هناك شخصيّتين مختلفتين لساراماغو: ساراماغو قبل أنْ يلتقي بيلار، وساراماغو بعد أنْ التقى بيلار!!.
لقدْ تحولتْ بيلار إلى ملهمته في الكتابة، فلمْ تكنْ أبداً مُجرّد زوجة، بلْ قامتْ عن طيبِ خاطر بأدوارٍ مركبةٍ في حياة ساراماغو، فكانت بمثابة الجسر الذي يربط بين ساراماغو وعالمه الخارجي كونه يرتبكُ في لقاءاته وحواراته العامّة، فأصبحت المتحدثة الرسميّة عنه في الندوات واللقاءات الصحفيّة، وهذا أمرٌ رائعٌ بالنسبة لرجلٍ دخلَ دائرةَ الضّوء وهو في السّتين من عمره، بخلافِ ميله الطبيعي للهدوءِ والعزلة!.
وحول هذه العلاقة الزوجيّة العجيبة التي شغلت الصّحافة في البرتغال وأوربا، قامَ المخرج البرت غالي خوسيه مينديز بصناعة فيلمٍ سينمائيٍّ رائعٍ بعنوان (جوزيه وبيلار) استغرقَ عمله حوالي أربع سنواتٍ كاملةٍ منْ أجْل فهْمِ كيمياء العلاقةِ العجيبةِ بين الزوجين، ليحاولَ في هذا الفيلم البديع تقديم مقاربةٍ سينمائيّةٍ حولهما، وقد استمرّ عرضُ الفيلم في دور العرض بالبرتغال حوالي خمسة شهور كاملة، وحقّقَ نجاحاً هائلاً، وعندما عُرض الفيلمُ للمرةِ الأولى بحضورِ الزوجين قال ساراماغو ممازحاً زوجته: أرأيتِ كيف يُحبُّ ساراماغو بيلار؟!، أنا أُحبُّكِ أكثر!، لتجيبَ بيلار: وأنا أُحبّك أكثر منه!!، وبهذه العلاقة الفاتنة المُمْتدة في الحياة والغياب، يقولُ الرّوائي أحمد مجدي همّام: لقدْ استحقّت بيلار أنْ تكونَ القطعة الأهمّ في حياة ساراماغو، أو كما قال هو عنها: بيلار هي بيتي، هي أهمّ شيءٍ في حياتي، ربّما أكثر أهميةً منْ رواياتي أيضاً، فأنا أرى أنّ قصة حبّنا هي قصة الحبّ الّتي لا تحتاجُ إلى أنْ تُكتَب!!.