د.عوض بن إبراهيم ابن عقل العنزي
كثيرةٌ هي الأسئلة التي تهزُّ المعرفة الراكدة، وقد اعتاد فئامٌ من الباحثين أنْ يقرؤوا في (الفلسفة) أسئلةً تستحق الوجود لما فيها من (تثوير الذهن) ودفعه إلى مضايق لم يكن يعلمها، في سيرورة تشبه ما تفضَّل بها علماء الإسلام في حديثهم عن (فقه النوازل)، ومن هنا أجدُ أنّ سؤالًا يلحُّ عليَّ حين أقرأ في نظرية (الحجاج الفلسفي) عند (بيرلمان وتيتيكاه) وهما يحاولان (إنقاذ العقل من أزمة انهيار الأساس القبلي الملزم) كالذي هو معروف في (الميتافيزيقيا) و(العقلية الديكارتية)، وهذا السؤال يتعلق بالبلاغة العربية بوصفها علمًا يمتلك مضاعفًا زمنيًّا يتجاوز كثيرًا من الأطروحات النقدية الحديثة عمرًا وحمولاتٍ ثقافية، واجتهادات علمية، ومكابدات عقلية ترقى بالبلاغة العربية -فيما يتراءى لي- أن تكون (نمطًا عقلانيًّا) يمتلك شروط وجوده، وشروط تحققه، وشروط بقائه واستمراره حين تتدافع عقول الباحثين إلى عقلانيات نشأت من (غياب المرجعية أو تحييدها)، أو كانت (استجابة لأزمات في تاريخ العقل).
والسؤال الذي يلحُّ عليّ هو سؤال منهجي -في تقديري-، أقول فيه:
من أين يستمدُّ الشعر عقلانيته في البلاغة العربية؟
وهذا أوان الحديث في إجابة هذا السؤال:
لا تُستمدّ عقلانية الشعر في (البلاغة العربية) أو لنقل: في (التفكير البلاغي العربي) من (مبدأ قبلي ميتافيزيقي متعالٍ) سابق على اللغة، ولا من (عقل صوري تجريدي) يحتكم إلى قوانين منطقية عامة، ولا من (بنية لغوية مغلقة) تفرض قوانينها الداخلية على النص بمعزل عن الاستعمال، بل تُستمدّ عقلانية الشعر في (البلاغة العربية) من مطابقة القول لمقتضى الحال، أي من انسجام الخطاب مع شروط (المقام)، و(السياق)، و(الغرض)، و(المتلقي).
وهنا يظهر أنّ العقلانية المقصودة ليست عقلانية (كشف جوهر ثابت)، ولا عقلانية (برهان صوري)، بل عقلانية (ملاءمة وتدبير)، يتحقق فيها العقل بوصفه قدرة على تنظيم القول بما يجعله صالحًا لأداء وظيفته التداولية داخل أفق ثقافي معلوم.
ولهذا لم ينطلق البلاغيون العرب -فيما يظهر لي- من سؤال: هل الشعر صادق أو كاذب؟ ولا من سؤال: هل الشعر مطابق لحقيقة كونية أو عقلية؟ لأن هذه الأسئلة تنتمي إلى آفاق فلسفية أخرى، بل لعلهم صاغوا سؤالهم في صورة عملية دقيقة: هل هذا القول في موضعه؟ هل وُضع اللفظ مع ما يلائمه؟ هل كان تدبير المعنى تدبيرًا يليق بالمقام؟ ويمكن أن نفهم من ذلك أنّ عقلانية الشعر عندهم عقلانية (تدبير قولي)، لا عقلانية (تأسيس فلسفي) ولا (برهنة).
ويظهر هذا المعنى بوضوح مبكر عند الجاحظ، حين يقرر أن صحة المعنى وسلامة جوهر الكلام لا تكفي وحدها، ما لم يكن للقول (شفيع في قلب المكتوب إليه)، وإلا بقي عرضة للتوجيه والتصريف والتوهم، فالجاحظ هنا ينقل معيار العقلانية من مستوى (المعنى في ذاته) إلى مستوى (أثر القول المنظَّم في نفس المتلقي)، وهو انتقال حاسم يؤسس لعقلانية بلاغية لا ميتافيزيقية.
ويبلغ هذا التصور درجة أعلى من الضبط النظري عند عبد القاهر الجرجاني الذي يجعل البلاغة (صناعة عقلية قائمة على الفكر)، لا على الطبع وحده، وأنّ المكابدة العقليّة جزء من صناعة العقلانية البلاغيّة، وذلك حين يصرّح أنّ (النظم صناعة يُستعان عليها بالفكرة لا محالة)، وذه العقلانية التي يشير إليه (كلام عبد القاهر الجرجاني) ليست انفعالًا ذوقيًا، بل عملًا ذهنيًا واعيًا.
ثم يحدّد عبد القاهر الجرجاني مجال هذه العقلانية حين يقرر أن (مدار أمر النظم على معاني النحو)، وأن هذه المعاني ليست معاني ألفاظ، بل وجوه وفروق وعلاقات، أي بُنى تنظيمية عقلية تتحكم في ترتيب القول بحسب المقام، وبذلك تصبح عقلانية الشعر عقلانية علاقات وترتيب، لا عقلانية مفردات أو قضايا.
ويتجلى هذا المفهوم -عمليًا- في مبدأ (مقتضى الحال)، الذي يُعدّ الركن المركزي في البلاغة العربية، فالشعر معقولٌ إذا وافق حال المتكلم، وحال المخاطَب، وظرف الزمان، ومقتضى الغرض، ومن ذلك مثلًا؛ مدح الشجاعة في سياق الفخر عقلاني بلاغيًّا، أمّا مدحها في سياق الرثاء يُعدّ اختلالًا في التدبير القولي، لا لفساد المعنى في ذاته، بل لسوء موضعه، وهذا الأمر نجده عند من سبق عبد القاهر الجرجاني كقدامة بن جعفر في (نقد الشعر)، وابن قتيبة الدِّينَوَريِّ في كتابه (الشعر والشعراء)، ويظهر للمتأمِّل أنّ العقل يتجلى في البلاغة العربية بوصفه منظِّمًا للقول ومحسِّنًا لتوجيهه، وليس كاشفًا للحقيقةِ كالذي هو حاصلٌ في غير البلاغة العربية من مناهج نقدية غربية قامت على مبادئ فلسفية تهاوى بعضها وبعضها يحاول الثبات.
ويتكامل هذا التصور عند السكاكي، الذي يضع البلاغة في إطار علمي صارم، فيجعل (علم المعاني) تتبعًا لخواص تراكيب كلام البلغاء في الإفادة، من أجل (الاحتراز عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره)، وهو تصريح واضح بأن معيار العقلانية في البلاغة العربية هو (صحة التطبيق والملاءمة للسياق)، لا صدق القضية ولا مطابقتها للواقع.
ويؤكد السكاكي أن التراكيب الصادرة عن غير البلغاء تنزل منزلة أصوات الحيوانات، لغياب التنظيم العقلي الواعي الذي يراعي المقام والوظيفة وليس لغياب المعنى فيها.
ويبرز عنصر (الغرض الشعري) بوصفه ركيزة أخرى من ركائز عقلانية الشعر في البلاغة العربية، فالشعر قول موجَّهٌ لغرض محدد يمنحه مشروعيته العقلية، وليس تعبيرًا حرًّا بلا ضابط؛ فلكل من الهجاء، والفخر، والحكمة، والوصف منطقه الداخلي وحدوده التعبيرية ومسوغاته الثقافية.
ولا تُقاس عقلانية الشعر هنا بصدق القضية التي يطرحها، بل بحسن أداء الشعر للغرض الذي أُنشئ من أجله، ولهذا قد تتضمن القصيدة مبالغة أو تصويرًا غير واقعي، ومع ذلك تُعدّ معقولة بلاغيًّا إذا أدّت وظيفتها ضمن أعراف هذا الفن.
كما تظهر عقلانية الشعر في مبدأ (الملاءمة بين اللفظ والمعنى)، فالبلاغة العربية لا تفصل بين (العقل) و(الذوق)، بل ترى أن العقلانية تتحقق حين يكون اللفظ خادمًا للمعنى، والمعنى مناسبًا للمقام، ولهذا كانت الاستعارة والتشبيه من أرفع أدوات البيان -ذكر ذلك عبد القاهر الجرجاني- لأنهما يقدّمان تمثيلًا أبلغ للتجربة الشعورية، وليس لأنّهما ينقلان حقيقة حاصلةً في الخارج (خارج الذهن)، فقول الشاعر: (إنّ الفارس الذي يهاجمُ العدوَّ أسدٌ) لا يُعدّ كذبًا، بل عقلانية تصويرية لأن العقل فيها لا يطلب (المطابقة الواقعية)، بل يطلب (الملاءمة التعبيرية).
ولا يكتمل هذا التصور دون الالتفات إلى عنصر (تلقي السامع وقبوله)، فالبلاغة العربية تفترض متلقيًا عاقلًا فطنًا ذا ذوق، يعيش داخل منظومة ثقافية مشتركة، لا متلقيًا منطقيًا محايدًا، وعندئذ يصبح القول الشعريُّ معقولًا إذا قبله السامع قبولًا ذوقيًا عقلانيًا، أي إذا اطمأنّ إليه ضمن معايير الفهم المشترك، وهذا القبول ليس (اقتناعًا برهانيًا)، بل هو اطمئنانٌ بلاغيٌّ، وهنا نتذكر إشارة الجاحظ إلى تزامن اللفظ والمعنى في وصول كلٍّ منهما إلى السمع والقلب لحظة وصول صاحبه دون تأخُّرٍ.
وبناءً على ذلك، يمكن القول: إنّ الشعر في التفكير البلاغي العربي يستمدّ عقلانيته من (حسن تدبير القول داخل مقام معلوم، وغرض مقصود، وذوق مشترك)، لا من أساس قبلي ميتافيزيقي، ولا من أزمة عقل أو انهيار أساسه، ولا من غياب مرجعية، فالعقل في التصور البلاغي العربي للأقاويل الشعرية العربية (على مذهب العرب أو مخالفةً لمذهب العرب في الشعر) عقل حاضر، مطمئن، غير مأزوم، يقدِّمُ وظيفته داخل ثقافة لها قيمها وأعرافها ومعاييرها، ولا يشعر بالحاجة إلى إنقاذ نفسه أو تأسيس بديل معرفي.
وهنا يتضح الفرق الجوهري بين عقلانية (الحِجاج الفلسفي)، -التي نشأت تاريخيًا بوصفها (استجابة لانهيار الأساس القبلي الملزِم)، و(سعيًا لإنقاذ العقل بتنظيم القبول) - وبين عقلانية (البلاغة العربية) التي نشأت لتجويد القول وتنظيم المعنى داخل أساس قيمي محفوظ لم يتعرّض للانهيار، وذلك ظاهرٌ في السؤال الذي تطرحه كل عقلانية منهما، فعقلانية (الحجاج الفلسفي) تسأل: كيف يمكن للعقل أن يستمر في عالم بلا أساس؟ وعقلانية البلاغة العربية تسأل: كيف يُحسِّنُ العقلُ القولَ الشعريَّ داخل مقامه بالمطابقة لمقتضى الحال؟
وبعبارة جامعة، يمكن القول: إنّ البلاغة العربية لا تؤسّس عقلانية بديلة؛ لأنها لا تجري في سياق العقلانيات اليونانية وما شابهها، بل (تُحسن إدارة عقل قائم)، ولا تبحث عن مخرج من أزمة انهيار أساس ينطلق منه العقل في تحقيق العقلانية، بل تبحث عن (إحكام القول الشعريّ داخل نظام)، وهذا -في تقديري- هو الذي يمنح (عقلانية البلاغة العربية) فرادتها المنهجية، ويجعل إسقاط (نظريات الحجاج الفلسفي) عليها دون وعي تاريخي وثقافي إسقاطًا قاصرًا يخلط بين أزمنة العقل، وأنماط العقلانية، ووظائف الخطاب.
** **
- جامعة الحدود الشمالية