صالح الشادي
تمرُّ بنا الحياة كالنهر العظيم، يحملنا في تيّاره من منبع الطفولة البريء، حيث تتشابك الأيادي في ألعاب الحارة وهمسات الدار، إلى حيث تتفرق المجاري في السهل الواسع. ننطلق كلٌّ إلى شُعبته، يحملنا تيار العمل، وتعبئة الرزق، وهموم تكاثر المسؤوليات. ويغيب الرفاق رويدًا رويدًا. لا بجفاء، ولا بقصد، ولكن بسلاسة الطبيعة نفسها، كالنجوم التي تتباعد في أفلاكها لكنها تظلّ في سماء واحدة.
غِبنا ولكننا لم نفترق. هذه هي الحقيقة الناصعة التي تلمع في أعماق الذاكرة. إنّ الصداقات التي بُنيت في رحم البراءة، أو في مقاعد المدرسة، أو في دفء الجيرة، أو حتى في مصنع أو مكتب، هي كالوشم في روح الإنسان. قد يعلوها غبار الأيام، وتتكاثف فوقها طبقات المشاغل، لكنها تظل حية، تنتظر لمسة ذكرى أو قبسة لقاء كي تشتعل من جديد.
يقول علماء النفس، ومنهم «جون باولبي» في نظرية التعلق، أن الروابط العاطفية العميقة التي نشكلها في مراحل مبكرة من حياتنا تُشكِّل نماذج داخلية دائمة للعلاقات. فهي ليست مجرد ذكريات عابرة، بل هي جزء من نسيج شخصياتنا، تُخبرنا عن الانتماء والأمان. ولهذا، حين نلتقي بعد سنين بصديق طفولة، قد نشعر فجأة بأن الزمن يتكثف، ونعود بلمح البصر إلى ذواتنا الأكثر نقاءً وصفاءً. إنه لقاء لا مع الزمن فقط، بل مع شطر من أرواحنا.
لقد عرف التاريخ هذا المعنى جيدًا. ألم نقرأ في أدبيات الماضي، تلك الشكاوى العذبة لتباعد الأصحاب، وهم يحنون إلى أيام الدرس في حلقات المساجد أو الكتاتيب أو الجامعات الأولى؟ كان الفارق الزمني بين رسالة وأخرى يمتد لأشهر، ومع ذلك كان الود يتدفق بحبر الصبر والانتظار. فالروابط الإنسانية الأصيلة تتحمل غياب الصوت والصورة، لأنها ترتوي من معين أعمق: معين الإحسان، والتجارب المشتركة، والمواقف التي صقلت القلب مع القلب.
اليوم، في عصرنا هذا، منحنا التطوّر الرقمي نعمة عظيمة. لقد أعاد للودّ قنواته السريعة. فما أن تلمع ذكرى عزيز غائب في خاطرك، حتى تمتد يداك إلى الهاتف، فترسل كلمة حنون، أو صورة تذكار، أو حتى مكالمة قصيرة تذيب جليد السنين في دقائق. لقد صار «الغياب» شكلاً آخر من الحضور، حضورًا مرنًا، يزورك في عزلتك، ويشاركك مناسباتك، ويهمس لك: «أنا هنا، لم أنسك، ولم يفترق ودّي».
إن شركاء المصلحة تنتهي علاقتهم بانتهاء العقد. ورفاق المصلحة قد يتناثرون مع تبدل الرياح. ولكن أولئك الذين شاركوك خبزك الحافز بالملح والدموع والضحكات، أولئك الذين رأوك بلا قناع، أولئك الذين بنيت معهم ذكريات من لحم وروح - هؤلاء هم رفاق الرحلة الحقيقية. قد لا تراهم كل يوم، بل قد تمر أعوام، لكنّ الجذور التي امتدت في تربة الروح لا تقتلعها رياح الغياب.
إنها حكمة الوجود الجميلة والمؤلمة في آن: أن الحياة تأخذنا في رحلات فردية، كسفن تبحر في محيط واحد لكن نحو شواطئ مختلفة. نرفع الأشرعة، ونتفرق في الأفق. لكننا نبقى ننظر إلى النجوم نفسها في الليل، نذكر ذات الضفة، ونحتفظ في زوايا قلوبنا بخريطة تعود بنا دائمًا إلى ميناء البدايات. فاللقاءات قد تتباعد، ولكن القلوب التي ترابطت في زمن النقاء، تظل كالنجوم: متباعدة في الظاهر، متحدة في السماء.