د.عبدالله بن موسى الطاير
يُقال إن المفكر الغربي والخبير الاستراتيجي السياسي لا يعمل بمعزل عن المؤثرات الأيديولوجية والتاريخية، فضلاً عن التنافس المتأصل بين الثقافات والحضارات.
ولذلك، تستند خططه لتمكين دولته على الهيمنة على الآخر، وترسيخ شيطنة العدو في العقل الجمعي. في جوهر تخطيطه يُدبّر المؤامرات على أنها استراتيجيات، ويتخذ اللازم في إقناع المستهدفين بخططه أن نظرية المؤامرة زيف، وأنها من علامات التخلف، من أجل تحييد استعداد ومقاومة الطرف الآخر.
غالبًا ما يُقدّم الخطاب السياسي الغربي نفسه على أنه براغماتي، علماني قائم على المصالح، وخالٍ من العداء الأيديولوجي. تستتر وراء هذا التمظهر قوة تُصرّ على أنها عالمية، محايدة، وعقلانية، بينما تفرض شروطها خلف الكواليس.
لتقريب المشهد ينبغي التخلي عن كذبتين رائجتين؛ الأولى أن الاستراتيجية الغربية محايدة أيديولوجيا، والثانية أن مقاومة المعايير الغربية تُعامل على أنها اختلاف حضاري مشروع وليست تهديدا لنفوذه.
لا يعمل أي استراتيجي سياسي في فراغ؛ الفكر السياسي الغربي يتشكل بفعل التجربة التاريخية، التوسع الإمبراطوري، الحروب الدينية، والباردة، وصعود نجم الرأسمالية، وتمكن العقيدة الليبرو- ديموقراطية. أنتج هذ الإرث التراكمي ثقافة سياسية استراتيجية تُعطي الأولوية للهيمنة والقدرة على التنبؤ والسيطرة، وتحييد التهديد والقضاء على المنافسة، بالتخطيط أو التآمر، لا مشاحة في الاصطلاح.
النزعة السياسية الغربية المحافظة، على وجه الخصوص، توجه السياسة العالمية بمفاهيم حضارية. فهي تخط حدودا بين قانون علماني فرداني وسيادة الدولة القومية، وآخر خارجي يُصور على أنه غير متوافق مع النسق الثافي العام، ومُزعزع للاستقرار.
الإسلام، خاصة عندما يقدم كنظام سياسي أو قانوني أو مرجعا لهما، يُصبح رمزا لهذا الآخر. هذا التأطير ليس مجرد خطاب بلاغي، بل يُشكِّل نقاشات السياسة، والمذاهب الأمنية، وأنظمة الهجرة، والوعي العام.
تقتضي صناعة التهديد تُصوير الإسلام والمسلمين، سواء كانوا معتدلين أو متطرفين، وسواء أكانت دولهم علمانية أو قومية أو إسلامية، كمنافس حضاري، ربما يكون اليوم خاملا لكنه قد يثور غدا. في هذا السياق، لا ينظر المفكر والمخطط السياسي للمسلمين مجرد مواطنين في دول ديموقراطية، أو مجتمعات تحكمها أنظمة سياسية مختلفة؛ بل كمخاطر ديموغرافية، أو عوامل مُزعزعة للثقافة المهيمنة، أو تهديدات أمنية كامنة.
الخط الفاصل بين الإسلام السياسي، والممارسة الدينية المحافظة، والهوية الإسلامية نفسها غير واضح، وهم في سلة واحدة. بناء العدو المفترض يوحد المجتمعات داخليا عندما يعبر عن الخطر علانية كما يفعل ساسة اليمين المحافظ والشعبويون الغربيون. الخوف قوة موحِدة، تستبدل الروايات المبسطة بالحقائق المعقدة.
المفارقة، أنه بينما تحذر الثقافة السياسية الغربية عامة الناس من نظريات المؤامرة، وتصدر للآخر نقمتها عليها على اعتبار أنها مظهر من مظاهر التخلف، فإنها في الوقت نفسه تستخدم العمل السري، الخداع الاستراتيجي والتخطيط الجيوسياسي طويل الأمد، وإن اختلفت المسميات.
تُعامل العمليات الاستخباراتية والحرب النفسية ونفوذ الأنظمة الغربية على أنها سياسات واقعية، بينما تصنف أية محاولة من جانب المجتمعات غير الغربية - لتفسير أنماط الهيمنة على أنها مؤامرة تستهدفها في وجودها-، باعتبارها ضربًا من جنون الارتياب.
تتطلب هياكل السلطة الغربية أن تخضع الأنظمة السياسية العالمية للسلطة العلمانية، وأن تندمج النماذج الاقتصادية في تدفقات رأس المال العالمية، وأن تستمد الشرعية السياسية من أطر تتوافق مع المعايير الليبرالية الديموقراطية. أي محاولة لتقديم حضارة ما، مصدرا بديلا للسلطة، لا يُنظر إليه كنموذج مواز، بل كتهديد يجب التعامل معه.
الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، على الرغم من قاعدته اليمينية، أعلن أنه يعارض التدخل السافر في خيارات الآخرين، لكن يبقى السؤال ما إذا كانت الدولة العميقة بمؤسساتها تتفق معه فيما ذهب إليه؟ ربما لا يكون الخطر الأكبر هو المؤامرة، بل اليقين الأيديولوجي، كالاعتقاد بأن نظام ما يُمثِّل نهاية التاريخ، على حسب رواية فوكوياما.
ليس مطلوبا أن تُصبح الحضارات والثقافات نسخا مُتماثلة لتتعايش، ما تحتاجه هو الاعتراف المُتبادل بالشرعية والحدود والتعددية. إذ لا يُمكن بناء نظام عالمي مُستدام على التقارب القسري. سيظل الغرب ذا نفوذ، وسيظل الإسلام قوة حضارية مؤثرة، فهل يستطيعان تجاوز الخطابات القائمة على التخويف المتبادل إلى سياسة تعترف بالاختلاف دون المطالبة بالاستسلام عن طريق تدبير المكائد والمؤامرات كخطط استراتيجية بعيدة المدى؟
أستطيع القول إن الأنظمة السياسية في العالم الثالث وغالبيتها دول مسلمة لا تعترف بالتفكير الاستراتيجي ناهيك عن التآمر على غيرها، فهي غارقة في تلبية متطلبات اليوم ومعاجلة مشاكل الأمس، وليس لديها رفاهية التخطيط للمستقبل.