ليست بعض الأفعال مجرد استجابات ظرفية لما يطرأ من أحداث طارئة، بل تتحول؛ بفعل سرعتها، وبديهيتها، وغياب أي توجيه خارجي، إلى خطاب أخلاقي مكتمل، يُقرأ بقدر ما يُشاهد. إنها لحظات تختزل النبل الإنساني في أنصع صوره، حيث يتقد الضمير قبل أن يفكّر العقل.
وفي حادثة محاولة الانتحار التي وقعت داخل المسجد الحرام، يبرز فعل الجندي السعودي الذي هب في غياب الزمن، في لحظة حرجة حاسمة مفاجئة، إلى تعريض نفسه للموت من أجل إنقاذ إنسان آخر، دون انتظار أمر، أو حساب للعواقب الشخصية. هذا الفعل لا يختزل في كونه شجاعة فردية، بل يتجاوز ذلك ليغدو تمثيلا مكثفًا لقيم أخلاقية ومؤسسية وإنسانية عالية سامية، جديرا بالدراسة والتحليل في مثل هذه المواقف، تصمت الكلمات وينطق الفعل الشجاع بوصفه خطابًا أخلاقيًا معبرًا وواضحًا ومسكتًا. إنه لفعل يتجاوز حدوده المكانية والزمانية والعقلانية ليبقى شاهدًا على سمو الفطرة حين تكون على موعد مع الواجب.
أولاً- الفعل من منظور تداولي
من الزاوية التداولية، يُنظر إلى الفعل لا باعتباره نتيجة تفكير منطقي متدرج معقول، بل باعتباره استجابة فورية مشروطة بالسياق والسياق هنا معقد ومركب على مستويات متعددة متداخلة، فعلى مستوى المكان والموقع الجغرافي فهو أكثر الأماكن قدسية على وجه الأرض، تحيطه السكينة والوقار والهدوء الصخب وتتضاعف فيه المسؤولية الرمزية والأخلاقية والإنسانية. هناك، في حضرة الكعبة يصبح الفعل مرآة للنية، وتتحوّل الاستجابة إلى برهان صامت على سمو الروح.
وعلى مستوى الزمان، فالزمن حرج، حاسم، قاطع، حابس للأنفاس، لا يسمح بالتشاور أو التردّد أو حتى التفكير لوهلة. إنه زمن تتوقف فيه اللغة، ويتقدم الفعل ليكتب لحظة من نور، تتجاوز الارتباك، وتسكن الذاكرة الجمعية.
وعلى مستوى الحدث، فنحن أمام حدث صادم يهدد حياة إنسان، ويخلخل الطمأنينة العامة. وفي لحظة مفصلية كهذه، يكون للفعل دلالته القصوى: لا بوصفه إنقاذا فحسب، بل بوصفه إعلانا صامتًا عن انتصار القيم على الفوضى، والضمير على العجز.
في هذا الإطار الزماني والمكاني، يتحول الفعل إلى ما يمكن تسميته بـ القول العملي الصامت بمعنى أنه فعل لا يُسبق بتبرير لغوي، ولا يُلحق بتفسير، لكنه ينتج دلالته من ذاته. لقد «قال» الجندي، بفعله لا بلسانه، إن حماية الحياة مقدمة على سلامته الشخصية، وإن المسؤولية الأخلاقية تسبق أي تفويض رسمي. قالها دون خطبة، ودون أن يستأذن في فضيلة، وكأن ضميره استيقظ قبل وعيه، فسبق جسده إلى المعنى.
إنه الفعل الذي لا يحتاج إلى بلاغة، لأنه في ذاته أبلغ من أي بيان، وأصدق من أي تعبير.
ثانياً- البديهية الأخلاقية وسرعة القرار
ما يلفت في هذا الحدث ليس مجرد الإقدام، بل غياب التردد؛ ذلك الغياب الذي لا يصدر عن اندفاع، بل عن رسوخ داخلي للقيمة الأخلاقية في الوعي العملي. فالبديهية هنا لا تعني التهور، وإنما تعكس حضورًا سابقًا للمعنى، بحيث تستدعى القيمة تلقائيا عند لحظة الامتحان، دون حاجة إلى موازنة عقلية أو تردد نفسي. إن الفعل في هذه الحالة، لا ينتظر إذنا من التفكير، لأن المبدأ قد استقر في الداخل بوصفه مرجعًا حاسمًا. هي أخلاق تحوّلت من فكرة مجردة إلى جاهزية نفسية كاملة تسبق السؤال، وتلغي التردّد، وتنجز ما يجب فعله دون ضجيج. وهذا النوع من الأفعال لا يُصنع في لحظته، ولا يُولد من فراغ طارئ، بل هو ثمرة تربية قيمية ممتدة وتكوين مهني منضبط، وإدراك عميق لمعنى الواجب حين يتجاوز كونه وظيفة إلى كونه التزاما أخلاقيا تجاه الإنسان والحياة هو تراكم من الفضائل الصغيرة، تربت في الظل ونضجت بصمت، حتى أن أوان تجلبها في لحظة استثنائية واحدة. هنا، يتداخل المهني بالإنساني، ويتحوّل الانضباط المؤسسي إلى ضمير حي لا يحتاج إلى توجيه خارجي.
كأن الفعل خرج من جوهر الشخصية لا من تفكيرها، ومن عمق الضمير لا من سطح الوعي، ليؤكد أن النبل ليس قرارًا مؤجلًا ولا بطولة مستعارة، بل استعداد دائم متأصل، يتجلى حين تختبر القيم لا حين تُعلن. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الجندي لم «يقرر» التضحية بقدر ما تصرف وفق ما استقر فيه سلفا: إذ سبق الفعل التفكير لأن القيمة كانت قد حسمت في الداخل قبل أن تداهم اللحظة.
وهنا تظهر الأخلاق في أصدق صورها لا حين تُرفع شعاراتها، ولا حين تُؤطر خطابًا، بل حين تمارس بصمت حاسم في اللحظة التي تختبر فيها حياة الإنسان دون إنذار فيكون الجواب فعلا، لا قولا هي لحظة لا تعلن البطولة، بل تكتفي بأن تمارسها، كما تمارس الصلاة حين ينادي الضمير قبل المؤذن.
ثالثاً- التمثيل الرمزي لفعل الجندي
يمثل هذا الفعل الشجاع صورة مكثفة للأمن بوصفه رعاية لا قهرا، وحماية لا سيطرة هو الأمن الذي لا يثقل جسد المواطن، بل يربت على قلبه، ويمنحه شعورًا بأن الحياة مصانة بحس إنساني يقظ.
السلطة الأخلاقية التي لا تستمد مشروعيتها من الرتبة، بل من المبادرة الإنسانية. تلك السلطة التي تقاس بما تمنحه من طمأنينة، لا بما تفرضه من سطوة، والتي تولد من ضمير الفعل لا من زخرفة الزي.
الدولة القيمية التي يُجسدها أفرادها قبل أن تُعلنها خطاباتها. دولة تتحدث أفعالُها قبل أن تتكلم بياناتها، ويشرح ميدانيّوها ما تعجز عنه كتب السياسة والدساتير.
إن الجندي هنا لا يُمثل نفسه فقط، بل يُجسد نموذجا أخلاقيا للجندي بوصفه حارسًا للحياة، لا مجرد منفذ للأوامر. كأن كل ما تلقاه من انضباط وتدريب لم يكن إعدادًا لمواجهة خصم، بل لصون حياة، وحمل المعنى الكبير لمهمته فوق كل حساب شخصي.
رابعاً- القراءة الأخلاقية للفعل
أخلاقيًا، يمكن قراءة هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ أخلاق الواجب الإنساني حيث يصبح إنقاذ النفس البشرية قيمة عليا تتقدم على حسابات السلامة الفردية.
كما يمكن إدراجه ضمن أخلاق الفضيلة، التي تُعلي من الشجاعة، والإيثار، وتحمل المسؤولية في لحظات الاختبار القصوى. إنه النموذج العملي لما يكون عليه الإنسان حين يعلو على غريزة النجاة، ويستجيب للنداء الخفي للفطرة السليمة أن الحياة، كل حياة، تستحق أن يُدافع عنها، ولو بجسد يتقدم وحده إلى الخطر.
واللافت أن الفعل لم يكن استعراضيًا، ولا مشروطا بنظرة الآخر، بل تم في صمت كامل، وهو ما يمنحه نقاء أخلاقيًا عاليًا؛ إذ خلا من أي دافع نفعي أو رمزي مباشر لم ينتظر التصفيق، ولم يستدر للكاميرا، بل انحنى باتجاه الحياة نفسها، في أرقى درجات البطولة الصامتة، تلك التي لا تحتاج إلى منصة لتروى، بل تكتفي بأن تكون. وهذا الصمت في حد ذاته، جزء من الجمال الأخلاقي للفعل، إذ يمنحه طهر النوايا، ويحرره من زيف الاستعراض.
إن الموقف البطولي الذي جسده الجندي السعودي في هذا الحدث لا يقرأ بوصفه لحظة بطولية عابرة، بل بوصفه نصًا أخلاقيًا حيًا، كتب بالفعل لا بالكلمات وعبر عن منظومة قيم متجذرة في الوعي المهني والإنساني السعودي.
لقد قدّم هذا الجندي درسًا أخلاقيًا لا يُدرّس في قاعات التدريب، ولا يُقاس بالاختبارات، ولا تُفصح عنه الأسئلة، بل يتجلى فقط حين تفتح الحياة بابها فجأة، وتضع الإنسان وجها لوجه أمام امتحان المعنى، وتسأله بصمت ثقيل: أي إنسان ستكون؟
إنها لحظة تذكر بأن الأخلاق، في أصفى صورها، لا تُعلن، بل تُمارس، ولا تُؤجل بل تُستدعى فورًا حين يكون الإنسان على الحافة. تلك اللحظة التي لا يصنع فيها القرار، بل يُستخرج من جوف الضمير، كما تُستخرج اللؤلؤة من أعماق البحر صافية نادرة ومضيئة.
** **
- د. رسمية بنت فهد العيباني