جانبي فروقة
في لحظةٍ عابرة داخل البيت، يقول شاب من جيل Z زي أو زد (والذي يعد أول جيل نشأ منذ طفولته داخل العالم الرقمي وهو من مواليد 1997 إلى 2012) جملة قصيرة مليئة بالمعاني:«الفيديو هذا كرنج، بس فايبه حلو». تمرّ الكلمات بسرعة، وكأنها شفرة مفهومة لمن يعيش داخلها فقط. الأب يسمع العربية، لكنه لا يلتقط المعنى فليست المشكلة في المفردات وحدها، بل في النبرة، والسياق، والابتسامة التي تحمل نصف الرسالة وتخفي نصفها الآخر. هنا، لا نتحدث عن فجوة أجيال تقليدية بل عن تحوّل لغوي عميق تصنعه منصة واحدة بقوة غير مسبوقة: تيك توك.
هكذا، من دون إعلان رسمي أو بيان ثقافي لم يعد تيك توك مجرد تطبيق لمقاطع الفيديو بل تحوّل إلى ورشة لغوية مفتوحة تعيد خلط الكلمات ضغطها شحنها بالسخرية، ثم إطلاقها إلى البيوت والمقاهي والمدارس. وكما لاحظت مجلة الإيكونوميست The Economist في تحليلها لعودة كلمة «demure» من قاموس العصر الفيكتوري إلى شاشات جيل Z، فإن تيك توك لا يغيّر فقط ما يقوله الشباب بل كيف يقولونه وبأي نبرة ولأي غاية.
في الماضي كانت الكلمات تحتاج وقتًا لتصبح موضة لغوية حيث كانت تنتشر عبر الرواية أو الفيلم أو الأغنية، أما اليوم فيكفي «ميم» ناجح أو نبرة صوت لافتة كلمة مثل demure التي كانت تصف التواضع الأنثوي والاحتشام في سياق اجتماعي صارم عادت للحياة لكن بروح ساخرة حيث يستخدمها الشباب اليوم لوصف كل ما هو غير متوقع كغروب الشمس أو كوكب زحل أو حتى خدمة جمع النفايات، والمفارقة هنا هي جوهر اللعبة فهي كلمة «مهذبة» تُستخدم لوصف شيء عادي أو عبثي. والأمر نفسه ينطبق على الاختصار، فـكلمة delusional (وهمي) تصبح delulu لا لتسهيل النطق فقط بل لتخفيف ثقل المعنى والاختصار هنا يصنع مسافة ساخرة بين المتكلم والفكرة، وكأن الجيل يقول: نعم نحن نعرف أن الأمر وهمي... لكننا نستمتع به. هذه الكلمات لا تُقال لتكون دقيقة بل لتكون خفيفة، سريعة وصالحة للتداول.
لا تنتشر الكلمات على تيك توك لأنها صحيحة لغويًا، بل لأنها قابلة للمشاركة، فالإيقاع مهم والصوت مهم وحتى شكل الكلمة على الشاشة مهم، تسمح المنصة بانتقال عبارة واحدة بين ملايين المستخدمين خلال أيام بل ساعات وبشكل فيروسي ووفق تقديرات لغويين تُنتج تيك توك أو تُعيد تعريف مئات الكلمات سنويًا. بهذا المعنى، لم تعد اللغة تُصنع في مراكز الثقافة التقليدية وحدها بل في هواتف المستخدمين العاديين والسلطة اللغوية خرجت من القواميس وانتقلت إلى الخوارزميات.
إن التحوّل لا يقتصر على الكلمات بل يشمل طريقة النطق نفسها، وهناك ما يمكن تسميته «لهجة تيك توك» فيها نبرة تصعد في نهاية الجملة وإيقاع سريع وتوقفات مقصودة وكأن كل جملة صُممت لتكون عنوانًا، فالفيديو القصير درّب المستخدمين على الكلام كما لو كانوا دائمًا أمام كاميرا حتى في أحاديثهم اليومية. في المقاهي والجامعات يمكن ملاحظة هذا التأثير بوضوح: جُمل أقصر، تعبيرات أكثر، ووعي دائم بـ«كيف سيبدو هذا لو صُوِّر؟»، فاللغة هنا لم تعد وسيلة تواصل فقط بل جزءًا من الأداء الاجتماعي. تولد لغة بديلة تحت ضغط الرقابة الرقمية وفي الإنجليزية ظهر ما يُعرف بمصطلح algospeak باستخدام أخطاء إملائية متعمدة أو تلطيف للمعنى أو استعارات يفهمها «أهل المنصة» وفي العربية وجدت هذه الظاهرة أرضًا خصبة فثقافة التلميح والقول غير المباشر قديمة لكن تيك توك أعاد توظيفها بصيغ رقمية جديدة، فهناك إيموجي بدل كلمة ومزحة بدل تصريح أو كتابة الكلمة بحروف لاتينية وأرقام هنا لا تحاول اللغة أن تكون جميلة بقدر ما تحاول أن تبقى مرئية. بالنسبة لجيل زي «Z»، اللغة ليست مجموعة قواعد بل مساحة لعب وهوية الكلمات شارات انتماء والسخرية أسلوب دفاع والاختصار إعلان سرعة. إن الشباب يستخدمون اللغة لتمييز أنفسهم عن الأجيال السابقة لا بالصدام بل بتمرد ناعم مليء بالمزاح، هذا ما يسميه علماء الاجتماع اللغوي «العمل الهويّاتي»: أن تصنع ذاتك عبر لغتك، ولهذا يبدو الغضب الأخلاقي التقليدي تجاه «تشويه اللغة» خارج السياق، فاللغة لطالما تغيّرت لكن الجديد أن تغيّرها أصبح مرئيًا ومسرّعًا. في الفضاء العربي، لا يكتفي تيك توك باستيراد كلمات إنجليزية بل يعيد تشكيل العربية نفسها. كلمة «فايب»، المأخوذة من vibe تحولت إلى أداة تقييم شاملة حيث نسمع جملة «المكان فايبه هادي»، «الشخص هذا فايبه غلط» كلمة واحدة تختصر مزاجًا كاملًا. وكذلك انتشر استعمال كلمة « طاقة» بمعناها الاجتماعي الجديد بحيث يقال: طاقة إيجابية، طاقة سلبية، طاقة ثقيلة. فلم يعد السؤال: ماذا قال الشخص؟ بل كيف كانت طاقته؟ ومن الكلمات الساخرة الشائعة أيضًا «كرنج» التي أصبحت حكمًا سريعًا على كل ما هو متكلّف أو محرج، وتُفهم عبر اللهجات دون شرح. حتى الكلمات العربية القديمة تغيّر معناها فكلمة «عادي» لم تعد حيادية فقط بل صارت لامبالاة محسوبة تُقال بنبرة تغني عن جملة كاملة. و»ثقيل» لم تعد وصفًا جسديًا بل توصفًا اجتماعيًا لمن لا يجيد الإيقاع. واليوم نرى الشباب العربي يكتب بلغة عربية هجينة جملا مثل:
«Ana kont delulu bas now I’m woke» والتي تعني «أنا كنت متوهما بس الآن وعيت» فهذه لغة واحدة لا تنتمي إلى قاموس واحد لكنها مفهومة تمامًا داخل مجتمعها الرقمي.
تحتاج القواميس إلى سنوات للاعتراف بالكلمات فهي بطيئة بطبيعتها لكن تيك توك لا ينتظر، فهناك كلمات تولد وتشيخ قبل أن تصل إلى أي معجم. والسؤال لم يعد: هل تلحق القواميس تسجيل الكلمات الجديدة؟ بل: هل ما زالت هي الجهة الوحيدة المخوّلة بمنح اللغة شرعيتها؟ فالقواميس باتت في سباق خاسر.
ربما نعيش زمنًا تُكتب فيه اللغة بالصوت، بالإيقاع، وبالصورة، أكثر مما تُكتب بالحروف. زمن تصعد فيه الكلمات إلى «الترند» قبل أن تصل إلى القواميس. ومع ذلك، لا يبدو أن تيك توك يفسد اللغة بقدر ما يعيدها إلى الناس إلى الشارع إلى المزاح اليومي إلى قلق الهوية ورغبة الانتماء ويبدو أن الحاجة لمترجمين بين الأجيال باتت ضرورة ملحة.
** **
- كاتب أمريكي