عبدالعزيز العبيد
الذكاء الاصطناعي غيّر بالجملة طريقة تقييم العقارات، فليس فقط خطوة تقنية، بل تغيير كبير لشكل السوق كله، لكن، هناك تحديات مثل جودة البيانات والهندسة، وهذه لا يمكن حلها إلا بتعاون حقيقي بين الأفراد والمطورين، عبر تحليل كم هائل من المعلومات، وهو ما يساعد المستثمرين والمطورين والمقيمين على تحقيق أفضل النتائج التي تجعل القطاع أكثر قدرة على المنافسة، ومعيناً في تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق أهداف رؤية 2030، نحو مرحلة جديدة تكون أكثر نضجًا وشفافية، وتشد المستثمرين من داخل وخارج المملكة مع استمرار التعاونيات التقنية والاستثمارية، خاصة اللي ظهرت في فعاليات سيتي سكيب بالرياض.
هذا التحول النوعي في منهجيات التقييم مستندًا إلى ثورة تقنية متسارعة أعادت تعريف مفهوم القيمة العقارية ودور البيانات في صناعة القرار. فقد صار اليوم، التقييم العقاري رقمي متكامل، لا مجرد تقدير تقليدي يعتمد على الخبرة الميدانية، معتمداً على تقنيات حديثة مثل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية والطائرات بدون طيار، بالإضافة إلى تقنيات البلوكشين والعقود الذكية. وهو تطور لم يأت من فراغ، بل ضمن بيئة تنظيمية داعمة تهدف لتحسين أداء القطاع وزيادة تأثيره في الاقتصاد الوطني، وهم ما يسمح لنا بدراسة كمية ضخمة من المعلومات المتعلقة بحركة الناس، ونمط نمو المدن، والظروف الاقتصادية، وأيضًا كيف يتصرف السوق. فعندما ندمج كل ما سبق مع الذكاء الاصطناعي، يمكن أن نتوقع سعر العقار في المستقبل بشكل أدق، ونفهم مستوى المخاطر المالية، ونبني قرارات استثمارية مبنية على حقائق واضحة وليس مجرد تخمينات. والهدف جذب المستثمرين الكبار، وتحسن طريقة توزيع الأموال بالسوق، مما يعود بشكل إيجابي على الاقتصاد ونمو الناتج المحلي الإجمالي.. ولعل نظم المعلومات الجغرافية والتحليل المكاني كان لها الدور في توفير قراءة أكثر عمقًا للبيئة المحيطة بالعقار، عبر رصد تأثير البنية التحتية والمرافق والخدمات وأنماط الحركة والازدحام على قيمة الأصول العقارية. كل ذلك تم دمجه في نماذج تقييم رقمية، سهلت على المُقيم بناء تصور أدق لمستوى الطلب الفعلي على العقار وجدوى الاستثمار فيه على المدى الطويل. لاسيما مع ظهور تقنية الطائرات بدون طيار التي توفر مسحًا بصريًا دقيقًا لحالة المباني وجودتها، وعززت من موثوقية التقديرات بل وقللت من احتمالات الخطأ البشري.
أما تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، فقد قدّمت إضافة نوعية في تمكين المستثمرين من معاينة العقارات ومحاكاة التعديلات المستقبلية، وكذلك استخدام النماذج الرقمية للمباني (BIM) خطوة متقدمة في تحليل دورة حياة المبنى، مما منحت المُقيم قدرة أكبر على تقدير القيمة العادلة بناءً على معايير فنية ومالية متكاملة، وفي موازاة ذلك، باتت الأنظمة الآلية لتقييم العقارات (AVMs) إحدى الأدوات الرئيسة في المؤسسات المالية، لتُساعد البنوك على تحسين إدارة المخاطر وتطوير نماذج تمويل أكثر كفاءة، الأمر الذي ينعكس على مستويات الإقراض العقاري وحجم النشاط الاقتصادي المرتبط به.. وهنا لا يمكن الحديث عن التقييم الرقمي دون التطرق إلى تأثير البلوكشين والعقود الذكية، اللذين يوفّران بيئة موثوقة لتخزين البيانات ومعالجة المعاملات العقارية بطريقة تمنع التلاعب وتحدّ من مخاطر النزاعات.. وهي خطوة ذات أثر اقتصادي مباشر، إذ تزيد من حجم التداول العقاري وتفتح قنوات جديدة لتمويل التطوير العمراني.
ومع تزايد تعقيد التقنيات والاستخدامات الناشئة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد في البناء، والاعتماد المتزايد على التقييم المجتمعي المعتمد على السوق التشاركي، باتت النماذج التنبؤية أداة أساسية في قراءة اتجاهات السوق المستقبلية، لتقلل من عدم اليقين وتُيسر بناء خطط استثمارية طويلة الأجل قائمة على أسس علمية تُعزز من قدرة القطاع العقاري على دعم الأجندة الاقتصادية الوطنية، فضلًا عن تعزيز الشفافية والامتثال في سوق يعتمد بشكل كبير على البيانات والمعاملات عالية الحساسية. ومع استمرار التطوير المؤسسي للبنية الوطنية للترميز العقاري والشراكات التقنية التي برزت خلال فعاليات سيتي سكيب في الرياض، يبدو القطاع العقاري السعودي مقبلًا على مرحلة جديدة يصبح فيها التقييم الرقمي ركيزة رئيسة في نمو الاقتصاد وتعزيز استدامة الاستثمار على المدى الطويل.