سارة الشهري
على مر التاريخ نقرأ عندما تكثر الفتن، يظهر من يلوِّح للناس بسفينة نجاة. لا تكون السفينة دائماً من خشب، ولا الطوفان ماء، لكن الخوف واحد، والجهل واحد، والاستغلال واحد. آخر هذه السفن ما روّج له عبر شاشات الهواتف، على يد شاب ادّعى النبوة، وأقنع أتباعه بأن الخلاص يمر عبره وحده، وأن من لم يصعد إلى (سفينته) سيغرق في طوفان وشيك. القصة قد تبدو هزلية للبعض، لكنها في حقيقتها مرآة قاسية لواقع إعلامي وجهل ديني مأزوم.
المشكلة لا تبدأ من مدّعي النبوة، فهؤلاء وُجدوا عبر التاريخ، من مسيلمة الكذاب إلى غيره، بل تبدأ من البيئة التي تسمح له بالانتشار، وتمنحه الأضواء، وتحوله من حالة هامشية إلى (ترند) عالمي. هنا يقف الإعلام، التقليدي والرقمي، في قفص الاتهام.
قصة (سفينة نوح) التي شغلت الرأي العام مؤخراً ليست استثناء، بل تكراراً مملاً لسيناريو قديم. الجديد فقط هو المسرح وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لا يحتاج مدّعي النبوة إلى معجزة، بل إلى خوارزمية متعاونة، وعدد كاف من المتابعين، وعنوان صادم يبدأ بكلمة (عاجل).
الإعلام لا يصنع الكذبة، لكنه يمنحها مكبر صوت. حين يتعامل مع ادّعاء خطير بوصفه (قصة غريبة)، أو (ظاهرة طريفة)، أو مادة للدهشة، فإنه يخلع عنها سياقها الحقيقي، ويضعها في سوق الترفيه. في هذه السوق، لا مكان للسؤال الجوهري ماذا يفعل هذا الخطاب بعقول الناس؟
الخطير في سفينة نوح الجديدة ليس خشبها، بل خطابها. خطاب يقوم على الخوف، ويغذيه الجهل، ويستثمر النصوص الدينية خارج سياقها. يُستدعى نوح، لا كنبي صبر ودعوة، بل كعلامة رعب. يُختزل الدين في نهاية، لا في هداية. ويقدم النجاة كصفقة اتبعني تنجُ، خالفني تغرق.
هنا يظهر الوجه الآخر للأزمة (الجهل الديني) جهل لا يعني انعدام الإيمان، بل هشاشته. كثيرون يؤمنون، لكنهم لا يعرفون. يحفظون القصة، ولا يفهمون المقصد. يسمعون النص، ولا يدركون شروطه. فيأتي من يملأ الفراغ، لا بالعلم، بل بالادعاء.
والإعلام، بدل أن يكون جدار صدّ، يتحول أحياناً إلى موجة إضافية في الطوفان. يستضيف المدعي، يسأله بلا مساءلة، يترك له المساحة ليتحدث، ثم يكتفي بابتسامة متحفظة أو تعليق عابر. وكأن الحقيقة وجهة نظر، وكأن العقيدة قابلة للتصويت.
الأسوأ من ذلك، حين يختزل النقد في السخرية. نضحك، نعم. لكننا لا نفسر. نستهزئ، لكننا لا نُعلّم. والسخرية، مهما بدت ذكية، لا تبني وعياً، بل قد تصنع بطلاً زائفاً، يشعر أتباعه أنه (محارب) من النخبة، فيزدادون تمسكاً به.
وسائل التواصل الاجتماعي هي البحر الحقيقي لكل هذه السفن. حيث لا قانون سوى الانتشار. كلما كان الخطاب أغرب، كان أسرع. وكلما كان أكثر إثارة للخوف، كان أوسع. في هذا البحر، يغرق الصوت العاقل، لأنه لا يصرخ، ولا يعد بنهاية العالم، ولا يبيع النجاة بالتقسيط.
الدين، في جوهره، بريء من كل هذا. لكنه يستدعى دائماً إلى قفص الاتهام، لأن من يتحدث باسمه أعلى صوتاً من العلماء، وأكثر جرأة من الفقهاء، وأقدر على مخاطبة العاطفة من العقل. وهنا، يصبح الصمت جريمة، ويصبح الحياد تواطؤ.
نحن لا نحتاج إلى فضح كل مدع، بقدر ما نحتاج إلى تحصين الناس. لا نحتاج إلى مطاردة السفن الوهمية، بل إلى تعليم السباحة. إلى إعلام يعرف أن دوره ليس فقط أن يقول حدث، بل أن يشرح لماذا حدث، وكيف لا يتكرر.
سفينة نوح اليوم ليست خشباً ولا مسامير، بل عقل ناقد، ومعرفة صحيحة، وإعلام يعرف أن رسالته ليست جمع المتابعين، بل حماية الإنسان من الغرق ولو في بحر الوهم.