محمد بن عيسى الكنعان
تتميز المجتمعات الغربية بنقاط إيجابية من أهمها أنها لا تخجل من المراجعات الفكرية، وبالذات المتعلقة بالنواحي الحياتية، والعلاقات الاجتماعية، بل تجد أن لديها رغبة جادة في البحث عن الحقيقة التي تجعل حياتها أفضل، وعدم تجاهل نتائجها حتى لو اصطدمت بمعتقداتها العلمانية، وقيمها الإنسانية، ومبادئها الحضارية. ولعل هذه الميزة هي التي لازالت تُعزز تماسك النموذج الغربي كـ(نموذج حضاري عالمي) على الرغم من انكشاف عيوبه وتراجع قيمه؛ بسبب مواقف حكوماته غير الإنسانية بمسألة الازدواجية في ملف حقوق الإنسان، وقضايا الحروب، والنزاعات الدولية.
أبرز تلك المراجعات جاءت من تلك العقول الواعية والأصوات الصادقة، التي بدأت تعلو في منصات التواصل الاجتماعي لنساء غربيات يُناقشن مسألة النسوية وتأثيرها السلبي على حياتهن، ويراجعن خطابها القائم على التحرر من سلطة الرجل والتفرد بحق الاختيار، تلك النساء الغربيات يرين النسوية خدعة تم تمريرها في أوساط المجتمع، وترويجها بين النساء لاستغلال المرأة كسلعة، وتدمير فطرتها، وبالتالي نسف كامل لمؤسسة الأسرة، التي تعتبر فيها المرأة المحور الرئيس وحقها المكتسب. لقد ظهرت سيدات غربيات شهيرات يناقشن خطاب النسوية في الغرب، وكيف أسهم في تدمير إنسانية المرأة وسحق أنوثتها؛ حيث اتفقن على أن النسوية ليست هدفًا حضاريًا للمرأة، أو قيمة إنسانية حقيقية، إنما يعتبرنها أكبر عملية احتيال تعرضت لها المرأة الغربية، فهي لم تُحرر المرأة، بل قيدتها بنظام ذكوري من حيث الممارسات والحقوق والمسؤوليات، وجعلتها تنافس الرجل في كل الميادين، سواءً تلك التي توافق فطرتها، أو التي تعارضها أو على الأقل لا تنسجم معها، وذلك من خلال إغراء المرأة بـ(القوة، والأهلية، والفردية)، وهي صحيحة وموجودة عند المرأة وفق أصلها الإنساني وحقها الطبيعي، لكن خطاب النسوية في الغرب جعل ذلك وهمًا، فكان يقول لها بطريقة مخادعة تستطيعين لأنكِ قوية، وتملكين لأنكِ مستقلة، وتختارين لأنكِ حرة، فتخلت عن دورها الحقيقي، ورسالتها الإنسانية النبيلة في تشكيل المؤسسة الأولى للمجتمع، لتكتشف لاحقًا، وبعد تجربة مريرة أن القوة أن تعمل مثل الرجل، وتكدح مثل الرجل، والأهلية أن تتصرف كالرجل، وتحارب الرجل، والفردية أن تعيش كالرجل وتتحمل أعباءً كالرجل؛ فوجدت الإرهاق، والتوتر، والتشتت، والديون، والوحدة، فمعدل الأمهات العازبات وصل إلى نسب عالية في المجتمعات الغربية. تقول إحدى الناشطات:»وعدونا بحرية الاختيار، فاكتشفنا أن الاختيار أن نترك منازلنا وأطفالنا لنعمل من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً».
لذلك فإن كثيرا من الناشطات في تقويم مسار النسوية بالمجتمعات الغربية يطالبن باستعادة الأنوثة لأنها هي القوة الحقيقة للمرأة، وأنها لا تتعارض مع الذكورية، بل تتكامل معها في البناء المجتمعي والعطاء الحضاري. هذا المنطق الواعي يعكس تراجعًا إيجابيًا لدى شريحة كبيرة من النساء الغربيات اللواتي استجبن لفطرتهن السوية، وانقلبن على النسوية وتطرفها، خاصةً أن هناك بعض المعلومات التي تزعم أن النسوية في الغرب - والولايات المتحدة تحديدًا - هي حركة اجتماعية غير أخلاقية قادها بالأساس مسؤولون من اليسار الديمقراطي، وموّلها باهتمام بعض رجال الأعمال الأثرياء في مطلع القرن العشرين لإجبار المرأة على العمل لتعزيز الإيرادات الضريبية بحكم أن نسبة كبيرة من النساء كن غير عاملات، فضلًا عن التوجه اليساري المتطرف الذي يسعى إلى تفكيك الأسرة من خلال إخراج المرأة للعمل، وجعل الطفل تحت رعاية الدولة عبر (الحاضنات والمدارس)، فتكون الدولة هي العائلة والمتحكم بطريقة تفكير الطفل وبالتالي يمكن صياغة مجمل سلوكه. اللافت في كل هذه المراجعات، أن إحدى الغربيات أشارت إلى أن المرأة الغربية تهرب من النسوية إلى بناء أسرة، والمرأة العربية تهرب من الأسرة إلى بناء وظيفة. مع التحفظ على هذا الرأي إلا أن المطلوب من المرأة العربية ألا تستنسخ التجربة الغربية في مسألة النسوية، وأن يكون لها تجربتها الاجتماعية الخاصة بها، التي تستمد قيمها السامية ومنطلقاتها الفكرية من إرثها أمتها الحضاري. فتكون عاملا مهما في بناء وطنها.