صالح الشادي
إن الهاجس الوجودي الذي يطارد الكيان الصهيوني منذ تأسيسه، والمتأصل في طبيعته ككيان استيطاني، أنجب إستراتيجية إقليمية تعمل على محورين متكاملين: تفكيك الدول العربية المجاورة، وإضعاف قدرتها على التجمع أو النهوض. وقد عبر القادة المؤسسون عن هذه الرؤية بوضوح، حيث رأوا أن أمن إسرائيل وديمومتها لا يتحققان بقوتها الذاتية فقط، بل باستمرار ضعف محيطها العربي، عبر منع وحدته وتأجيج نزاعاته.
تطورت هذه الفكرة إلى عقيدة إستراتيجية عملية تعمل بمنطق «النفس الطويل»، تستخدم أدوات مباشرة وأخرى غير مباشرة، ظاهرة وخفية، لتحقيق هدف واحد: تحويل المحيط إلى فسيفساء من الكيانات المتنازعة، المنهكة، والمفتوحة للاستغلال.
يتجلى التطبيق المباشر لهذه الإستراتيجية في حالات مثل السودان، حيث عمل الدعم الإسرائيلي الممنهج لحركات التمرد على مدى عقود على إشعال حرب أهلية طويلة، انتهت بانفصال الجنوب. لم يكن الهدف عسكرياً فقط، بل كان موجهاً لإشغال الدولة السودانية بهمومها الداخلية، وإضعافها كعمق إستراتيجي محتمل، ثم التوجه لاحقاً للتغلغل الاقتصادي في مواردها الهائلة.
أما في الصومال، فاتخذ التدخل شكلاً دبلوماسياً أكثر دهاءً، عبر الاعتراف بإقليم انفصالي، في خطوة تهدف إلى كسب موطئ قدم على مضيق بحري حيوي، واستغلال الموارد، وضمان استمرار حالة الضعف والانقسام الدائم في الدولة الصومالية ككل.
وراء هذه النماذج، تعمل آليات تفكيكية خفية تعتمد على الصبر والتراكم. فسياسة «النفس الطويل» تظهر في منهجين رئيسيين: الأول هو التفكيك الإستراتيجي عبر المسارات السياسية والدبلوماسية، الذي يسعى إلى تحييد الجبهات المعادية وعزلها عن بعضها البعض، وتغذية التناقضات بين الدول العربية، وضرب أي رؤية إقليمية موحدة من خلال هندسة أزمات داخلية وإقليمية.
والثاني هو التراكم الجغرافي والديموغرافي الهادئ، المتمثل في سياسة الاستيطان المتسلل والتهجير البطيء في الأراضي الفلسطينية، والتي تهدف إلى خلق وقائع لا يمكن عكسها على الأرض عبر تراكمات يومية لا تثير غالباً ردود فعل فورية قوية، ولكن محصلتها النهائية هي تقطيع الجغرافيا والسيطرة عليها.
خلاصة القول، إن المشروع الإسرائيلي لإعادة هندسة المحيط العربي يعتمد على مطرقة متعددة الرؤوس: مطرقة التدخل المباشر حين يمكن، ومطرقة التفكيك الدبلوماسي والسياسي غير المباشر، ومنجل التراكم البطيء الهادئ.
لقد نجحت هذه الإستراتيجية المركبة إلى حد كبير في تفكيك الرؤية العربية الموحدة وإضعاف التماسك الداخلي للدول. ومع ذلك، فإن مواجهتها الفعالة تتطلب فهماً عميقاً لهذه الآليات جميعاً، وبناء صمود داخلي في كل دولة يقوم على العدالة والمواطنة، وسعياً جاداً نحو تكامل عربي حقيقي يُعيد بناء الوحدة الإستراتيجية، ويكسر حلقة الإنهاك والتفتيت التي تهدف إسرائيل إلى إدامتها لضمان هيمنتها.